هرمز وباب المندب يختنقان معًا.. من يدفع الكلفة؟
ملخص :
هبطت الحركة المرصودة إلى سفينتين في هرمز وسفينة واحدة في باب المندب، وسط هجمات مزعومة ومفاوضات لم تستعد ثقة شركات الشحن.
عندما يصبح طريق النفط من الخليج وطريق التجارة نحو قناة السويس خطرين في اليوم نفسه، لا تبقى الأزمة في البحر، بل تصل إلى سعر الوقود والغذاء والدواء.
في يوم واحد، عبرت سفينتان فقط مضيق هرمز، بينما مرت سفينة تجارية واحدة عبر باب المندب.
قبل الحرب، كان هرمز يستقبل عادة نحو 130 إلى 140 سفينة يوميًا. وفي باب المندب، سجل اليوم السابق وحده عبور 20 سفينة قبل أن ينخفض الرقم إلى واحدة، وفق بيانات شركة Kpler لتتبع الشحن.
هذه الأرقام لا تعني أن البحرين أُغلقا بالكامل؛ بعض السفن قد تطفئ أنظمة التتبع لأسباب أمنية. لكنها تكشف أن الشركات لا تنتظر إعلان حرب أو قرار إغلاق رسمي حتى تغير مساراتها. أحيانًا يكفي احتمال الإصابة ليتحول الممر المفتوح قانونيًا إلى طريق لا يريد أحد استخدامه.
ماذا حدث في الممرين؟
أظهرت البيانات أن سفينة محملة بالفحم دخلت هرمز يوم الأربعاء 5 أغسطس، بينما خرجت سفينة سلع ترفع علم جزر مارشال. في اليوم السابق، رُصدت ثماني سفن عابرة.
وفي باب المندب، لم تُرصد سوى سفينة بضائع سائبة ترفع علم الباهاما، مقارنة بـ20 سفينة في اليوم السابق.
جاء الهبوط بعد إعلان الحوثيين إطلاق صواريخ على ناقلة نفط قرب ميناء ينبع السعودي، وعلى ناقلة ثانية في خليج عدن.
لكن هذا الجزء من القصة ما يزال ادعاءً غير مثبت. لم تؤكد السعودية إصابة السفينتين، ولم يقدم الحوثيون أدلة علنية يمكن التحقق منها بصورة مستقلة. وأكدت AP أن الجماعة لم تنشر دليلًا على الهجومين.
لذلك، الواقعة المؤكدة ليست إصابة ناقلتين، بل انخفاض الحركة البحرية بالتزامن مع تصاعد التهديدات.
لماذا يمثل الممران شريانين مختلفين؟
مضيق هرمز هو بوابة الخليج إلى بحر عُمان والمحيط الهندي. قبل الحرب، كان نحو خُمس النفط والغاز الطبيعي المتداول عالميًا يمر عبره، وفق تقديرات نقلتها AP.
أما باب المندب، فيربط البحر الأحمر بخليج عدن. ومن خلاله تتجه السفن نحو قناة السويس والبحر المتوسط، أو تأتي منها باتجاه آسيا وشرق أفريقيا.
هذا يعني أن الممرين يؤديان وظيفتين متكاملتين:
- هرمز ينقل جزءًا أساسيًا من طاقة الخليج إلى العالم.
- باب المندب يربط آسيا والشرق الأوسط بقناة السويس وأوروبا.
- تعطلهما يطيل الرحلات ويزيد استهلاك الوقود.
- المخاطر ترفع أقساط التأمين وأجور البحارة والسفن.
- بعض الشحنات تتأخر حتى عندما لا تتعرض لأي هجوم.
المشكلة الأكبر أن الشركات كانت تستخدم التحويل بين الطرق لتخفيف المخاطر. لكن عندما يتراجع الأمان عند بوابة الخليج ومدخل البحر الأحمر معًا، تصبح البدائل أطول وأغلى وأقل قدرة على امتصاص التجارة.
الهجوم المزعوم قد يكون أقل أهمية من الخوف
لا تحتاج الجماعات المسلحة إلى إغراق كل سفينة لفرض تأثير اقتصادي.
إذا اعتقدت شركات التأمين أن احتمال الإصابة ارتفع، ترفع الأسعار أو ترفض التغطية. وإذا خاف مالك السفينة على الطاقم، يؤجل الرحلة أو يختار طريق رأس الرجاء الصالح حول أفريقيا. وقد يطلب القبطان إطفاء نظام التتبع، ما يجعل قياس الحركة أكثر صعوبة.
هكذا يصبح الخوف نفسه أداة ضغط.
يقول الحوثيون إنهم يفرضون حصارًا بحريًا على السعودية ردًا على ما يصفونه بحصار سعودي لليمن، وهو اتهام تنفيه الرياض. وبصرف النظر عن الروايتين، فإن توسيع الاستهداف إلى سفن مرتبطة بالموانئ السعودية يجعل البحر الأحمر جزءًا مباشرًا من الحرب الإقليمية.
في المقابل، تتفاوض إيران وعُمان على ترتيبات جديدة في هرمز. لكن الشركات لن تعود لأن بيانًا سياسيًا صدر فقط. ستنظر إلى استمرار الهجمات، وقواعد المرور، والرسوم، والحماية البحرية، وإمكان تدخل إيران في حركة السفن.
كيف تصل الكلفة إلى بلاد الشام؟
الأردن ولبنان وسوريا وفلسطين ليست دولًا نفطية كبرى، ولذلك تتأثر سريعًا بأي ارتفاع في كلفة الطاقة والنقل.
النفط الأعلى سعرًا يعني نقلًا أغلى وكهرباء أكثر كلفة. أما تأخير السفن، فينعكس على الغذاء والدواء والمواد الخام. وقد ترتفع كلفة المساعدات الإنسانية نفسها لأن نقل الطحين والوقود والمستلزمات الطبية يصبح أغلى.
كما يرتبط ميناء العقبة بالبحر الأحمر، وتعتمد اقتصادات المنطقة على قناة السويس والموانئ الخليجية والتجارة مع آسيا. لذلك لا يمكن التعامل مع باب المندب وهرمز كقصتين بعيدتين عن بلاد الشام.
حتى إذا لم ترتفع الأسعار فورًا، تبدأ الشركات ببناء تكلفة الخطر داخل العقود المقبلة.
ما الذي لا نعرفه بعد؟
لا نعرف إن كانت الناقلتان السعوديتان قد تعرضتا فعلًا لإصابة، ولا ما إذا كان انخفاض الأربعاء يومًا استثنائيًا أم بداية اتجاه أطول.
كما لا نعرف مدى دقة بيانات التتبع في ظل إغلاق بعض السفن أجهزة AIS، أو إن كانت شركات الشحن تنتظر نتيجة تفاهم إيران وعُمان قبل استئناف الرحلات.
المؤشر الحاسم خلال الأيام المقبلة سيكون عدد السفن العابرة فعليًا، وأي تأكيد مستقل للهجمات، وتغير أسعار التأمين، وصدور ترتيبات هرمز النهائية. فالسؤال ليس هل ما تزال السفن قادرة على المرور، بل هل تستطيع التجارة العالمية الاعتماد على ممرين لا يحتاج تعطيلهما إلى إغلاق رسمي، بل إلى خوف كافٍ لإبعاد السفن؟

