حزب الله ودمشق.. هل يبدأ الحوار؟
اتصالات غير معلنة تمهّد للقاء محتمل
ملخص :
هل اقترب اللقاء؟
بعد سنوات من المواجهة والاتهامات المتبادلة، بدأت دمشق وحزب الله استخدام لغة جديدة عنوانها: الحوار ممكن.
صحيفة «الديار» اللبنانية نقلت عن مصدرين سوريين مطلعين قولهما إن اتصالات غير معلنة جرت خلال الفترة الماضية بين حزب الله والقيادة السورية، بهدف التمهيد لاجتماع رسمي محتمل.
لكن هذه المعلومات ما تزال منسوبة إلى مصادر لم تكشف الصحيفة هويتها، ولم يصدر عن دمشق أو حزب الله إعلان رسمي يؤكد انعقاد هذه الاتصالات أو يحدد موعدًا للقاء.
ما يمكن تأكيده حتى الآن هو أن الطرفين أعلنا، كل من جانبه، عدم ممانعتهما الجلوس إلى طاولة واحدة.
ماذا قال حزب الله؟
في 4 أغسطس/آب 2026، أعلن الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم أنه لا يوجد مانع من عقد لقاء علني بين الحزب والقيادة السورية عندما يرى الطرفان أن الوقت أصبح مناسبًا.
وقال قاسم:
«لا يوجد أي مانع من اللقاء العلني بين حزب الله والقيادة السورية، في الوقت الذي يكون مناسبًا بتقدير الطرفين».
ودعا إلى بناء علاقة «إيجابية وتعاونية» بين الدولتين اللبنانية والسورية، معتبرًا أن استقرار كل دولة يشكل دعمًا للأخرى.
هذا التصريح لا يؤكد وجود موعد للقاء، لكنه يمثل أول موقف واضح من قيادة الحزب يؤيد حوارًا علنيًا مع الحكومة السورية الجديدة.
وماذا قالت دمشق؟
لم تبدأ إشارات الانفتاح من جانب حزب الله وحده.
في 21 يونيو/حزيران 2026، قال الرئيس السوري أحمد الشرع إن دمشق مستعدة للحوار مع مختلف الأطراف اللبنانية، بما فيها حزب الله، عندما يخدم ذلك مصلحة سوريا ولبنان.
وأكد الشرع أن لدى دمشق «مشكلة عميقة» مع الحزب، لكنه شدد على أن الحوار يبقى أفضل من الانزلاق إلى حرب جديدة. كما اعتبر أن تدخل حزب الله في سوريا كان قرارًا خاطئًا ترك آثارًا مؤلمة في الذاكرة السورية.
وفي 2 يوليو/تموز، كرر وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني الموقف نفسه خلال زيارته إلى بيروت، قائلًا إن دمشق منفتحة على لقاء حزب الله «إذا اقتضت المصلحة»، رغم تأكيده أن ملف الحزب لم يكن مطروحًا خلال اجتماعاته الرسمية.
إذن، الباب السياسي أصبح مفتوحًا من الطرفين، لكن الانتقال من التصريحات إلى اجتماع رسمي ما يزال بحاجة إلى قرار وترتيبات واضحة.
لماذا يمثل اللقاء تحولًا كبيرًا؟
العلاقة بين حزب الله والقيادة السورية الجديدة ليست علاقة طبيعية بين طرفين مختلفين سياسيًا فقط.
خلال الحرب السورية، شارك حزب الله عسكريًا إلى جانب نظام بشار الأسد، وقاتل فصائل معارضة كان يقود بعضها أو يرتبط بها مسؤولون في السلطة السورية الحالية.
وبعد سقوط نظام الأسد، خسر الحزب حليفًا إقليميًا أساسيًا وطريقًا بريًا كان يربطه بإيران عبر الأراضي السورية. كما اتخذت دمشق الجديدة موقفًا معارضًا لنفوذ الحزب وتحركاته داخل سوريا.
لهذا، فإن مجرد الحديث عن لقاء علني لا يعني اجتماعًا سياسيًا عاديًا، بل محاولة للانتقال من إرث الحرب إلى إدارة الخلاف عبر التفاوض.
لماذا قد يحتاج الطرفان إلى الحوار؟
أولًا: الحدود المشتركة
تمتد الحدود اللبنانية السورية لنحو 330 كيلومترًا، وتواجه تحديات ترتبط بتهريب الأسلحة والمخدرات والأشخاص، إضافة إلى وجود طرق ومعابر غير رسمية.
تحتاج دمشق وبيروت إلى تنسيق مستمر لضبط الحدود، بينما يرتبط جزء من هذا الملف بنفوذ حزب الله وتحركاته في المناطق الحدودية.
ثانيًا: أمن لبنان وسوريا
تقول دمشق إنها لا تريد التدخل عسكريًا داخل لبنان، وتؤكد أن دورها يجب أن يركز على دعم الاستقرار ومنع انتقال الصراع بين البلدين.
وفي المقابل، يدرك حزب الله أن وجود حكومة سورية معادية له بالكامل قد يزيد الضغوط الأمنية والسياسية عليه.
الحوار قد يمنح الطرفين فرصة لوضع قواعد تمنع الاحتكاك المباشر، حتى من دون التوصل إلى مصالحة كاملة.
ثالثًا: التهديدات الإسرائيلية
تتعرض أراضٍ لبنانية وسورية لهجمات إسرائيلية، لكن البلدين لا يمتلكان حتى الآن إطارًا مشتركًا ومنظمًا للتعامل مع هذا الملف.
وقد يدفع استمرار التصعيد جميع الأطراف إلى البحث عن قنوات تمنع توسع المواجهة أو انتقالها عبر الحدود.
رابعًا: ترتيب العلاقات اللبنانية السورية
تعمل الحكومتان اللبنانية والسورية على بناء علاقة جديدة تقوم، بحسب تصريحاتهما، على السيادة وعدم التدخل والتعاون الأمني والاقتصادي.
وعقد البلدان خلال الأشهر الماضية اجتماعات تناولت ملفات الحدود والأمن والطاقة والنقل والموقوفين السوريين في لبنان.
لكن بناء هذه العلاقة يبقى صعبًا من دون التعامل مع ملف حزب الله، باعتباره قوة سياسية وعسكرية مؤثرة داخل لبنان، وطرفًا يمتلك تاريخًا مباشرًا في الصراع السوري.
هل يعني الحوار حدوث مصالحة؟
ليس بالضرورة.
دمشق ما تزال تعتبر مشاركة حزب الله في الحرب السورية جزءًا من مشكلة عميقة لم تُحل، بينما لا يستطيع الحزب تجاهل التحول السياسي الذي أنهى حكم حليفه بشار الأسد.
لذلك، قد يكون اللقاء الأول محدودًا ويركز على قضايا عملية، مثل أمن الحدود، ومنع الاحتكاك، والعلاقات بين لبنان وسوريا، بدلًا من محاولة حل جميع الخلافات التاريخية دفعة واحدة.
كما أن الحوار قد يكون وسيلة لإدارة العداء، وليس إعلانًا عن تحالف جديد.
ما الذي نراقبه الآن؟
لمعرفة ما إذا كان الانفتاح سيتحول إلى مسار سياسي حقيقي، يجب مراقبة أربع إشارات:
- إعلان رسمي من دمشق أو حزب الله عن وجود اتصالات.
- تحديد موعد أو مكان لاجتماع معلن.
- مستوى المشاركين في اللقاء وصفتهم السياسية.
- الملفات التي ستُطرح، خصوصًا الحدود والسلاح والأمن.
حتى الآن، لا يوجد إعلان رسمي عن موعد اللقاء، وكل ما هو مؤكد أن الطرفين انتقلا من رفض التواصل إلى إعلان الاستعداد له.
بين حزب الله والقيادة السورية الجديدة سنوات من الدم والخلافات والمصالح المتناقضة، ولا يمكن لتصريح واحد أو اجتماع محتمل أن يمحوها.
لكن قبول الطرفين بفكرة الحوار يكشف تحولًا مهمًا: كلاهما يبدو مقتنعًا بأن إدارة الخلاف عبر السياسة قد تكون أقل تكلفة من تركه مفتوحًا أمام التصعيد.
فهل يكون اللقاء بداية تسوية حقيقية، أم مجرد هدنة سياسية تفرضها ظروف المنطقة؟

