قتلى في جنوب لبنان: هل يصمد تفاوض روما أمام الميدان؟
مقتل جنديين إسرائيليين وغارات أوقعت ضحايا لبنانيين يضعان التفاهم الجاري تنفيذه أمام أخطر اختبار منذ هدنة يونيو.
ملخص :
لم يكن انفجار مجدل زون مجرد حادث عسكري جديد في جنوب لبنان. توقيته هو ما منحه وزنه الأكبر.
في الوقت الذي كانت فيه وفود لبنانية وإسرائيلية تناقش في روما خطوات الانسحاب وانتشار الجيش اللبناني، أعلن الجيش الإسرائيلي مقتل جنديين وإصابة أربعة في انفجار وقع أثناء تفتيش مبنى في الجنوب. وبعد ساعات، نفذت إسرائيل غارات أوقعت قتيلًا و12 مصابًا في بلدة تبنين، إلى جانب قصف مناطق أخرى.
هذه أول خسائر إسرائيلية من هذا النوع منذ بدء الهدنة الهشة في يونيو/حزيران. لكنها لا تعني حتى الآن أن الحرب عادت رسميًا، ولا أن جهة محددة مسؤولة عن الانفجار.
انفجار بلا رواية مكتملة
قال الجيش الإسرائيلي إن الجنود كانوا ينفذون عملية بحث عن تهديدات مرتبطة بحزب الله عندما وقع الانفجار. بعض التصريحات الإسرائيلية الأولى تحدثت عن خرق للهدنة، لكن وزير الدفاع الإسرائيلي لم يثبت لاحقًا مسؤولية الحزب بصورة قاطعة. وحتى وقت إعداد القصة، لم يصدر عن حزب الله إعلان يتبنى العملية.
هذا التفصيل مهم.
فإذا كان الانفجار ناتجًا عن عبوة قديمة أو ذخيرة غير منفجرة، تختلف تداعياته السياسية عن هجوم مخطط. أما إذا ثبت أنه عملية جديدة، فسيصبح السؤال متعلقًا بقدرة الاتفاق على منع الفصائل من استئناف القتال.
غياب رواية مؤكدة لا يمنع التصعيد، لكنه يجعل كل رد عسكري عرضة لأن يبنى على افتراض لا على حقيقة نهائية.
إسرائيل ردت قبل اكتمال الصورة
بعد الانفجار، نفذت إسرائيل ضربات في جنوب لبنان. وقالت وزارة الصحة اللبنانية إن ضربة على تبنين قتلت شخصًا وأصابت 12، فيما تحدثت الوكالة الوطنية للإعلام عن إصابات إضافية في برج الشمالي وقصف لمناطق المنصوري ومجدل زون.
كما أصدرت إسرائيل تحذير إخلاء لسكان المنصوري، وهو الأول من نوعه عبر الإنترنت منذ أكثر من شهر، بحسب رويترز.
هذا التسلسل يكشف مشكلة تواجه معظم اتفاقات وقف النار: الميدان يتحرك أسرع من لجان التحقيق والمفاوضات. وعندما يسقط قتلى، يصبح الضغط الداخلي للرد أقوى من الانتظار حتى تتضح المسؤولية.
بالنسبة إلى سكان الجنوب، لا يغيّر غموض المسؤولية النتيجة اليومية كثيرًا. التحذيرات والقصف تعني احتمال النزوح مجددًا، وتأجيل العودة، وتعطل الزراعة والتعليم والخدمات في بلدات عاشت أشهرًا من الدمار.
ماذا تناقش روما أصلًا؟
بدأت الجولة الحالية من المحادثات في روما ضمن مسار ترعاه الولايات المتحدة، ويركز على توسيع مناطق تجريبية ينسحب منها الجيش الإسرائيلي، ثم ينتشر فيها الجيش اللبناني ويتولى مسؤولية الأمن. كما تشمل الملفات الحدود المتنازع عليها ومستقبل سلاح حزب الله.
لكن الاتفاق يواجه تناقضًا واضحًا.
إسرائيل تريد ضمانات أمنية وتفكيك البنية العسكرية لحزب الله قبل استكمال الانسحاب. وفي المقابل، ترى أطراف لبنانية أن استمرار الوجود الإسرائيلي يجعل معالجة سلاح الحزب أكثر تعقيدًا سياسيًا وأمنيًا.
لذلك لا يتعلق الخلاف بالترتيب الزمني فقط، بل بمن يقدم الخطوة الأولى ومن يتحمل المخاطر إذا لم ينفذ الطرف الآخر التزاماته.
لماذا يمثل التصعيد اختبارًا حقيقيًا؟
الاتفاقات لا تُختبر عندما يكون الهدوء كاملًا، بل عند أول حادث يسقط فيه قتلى.
إذا استمرت المفاوضات وبدأ تحقيق مشترك أو غير مباشر في الانفجار، فسيكون ذلك مؤشرًا على أن الطرفين ما زالا يريدان احتواء الأزمة. أما إذا توسعت الغارات، أو أعلن حزب الله مسؤوليته، أو تجمدت محادثات روما، فسيرتفع احتمال العودة إلى جولة أوسع.
رويترز ذكرت أن المفاوضات استمرت رغم التصعيد، بينما قالت AP إن جلسات تأثرت بالعنف لكنها كانت مرشحة للاستئناف. هذا يعني أن المسار لم ينهر بعد، لكنه أصبح أكثر هشاشة.
من يملك قرار ضبط الجنوب؟
على الورق، يفترض أن ينتقل الأمن تدريجيًا إلى الجيش اللبناني في المناطق التي تنسحب منها إسرائيل.
لكن على الأرض، توجد ثلاثة مراكز قوة متداخلة: الجيش الإسرائيلي الذي ما يزال موجودًا في مناطق جنوبية، والجيش اللبناني الذي يُطلب منه توسيع انتشاره، وحزب الله الذي لم يكن طرفًا مباشرًا في الاتفاق ويرفض بعض بنوده.
هذا التداخل يجعل أي حادث قابلًا للتحول إلى أزمة سياسية وعسكرية.
فنجاح الاتفاق يتطلب ألا يكتفي بإعادة رسم خطوط الانتشار، بل أن يحدد من يحقق في الحوادث، ومن يعلن المسؤولية، وما حدود الرد، وكيف يجري منع الانتقام المتبادل.
ما الذي يجب مراقبته الآن؟
أولًا، هل تصدر نتيجة رسمية توضح سبب الانفجار؟
ثانيًا، هل يتبنى حزب الله العملية أو ينفيها؟
ثالثًا، هل تستمر محادثات روما وفق جدولها، أم تؤجل؟
رابعًا، هل تبقى الضربات الإسرائيلية محدودة، أم تتوسع جغرافيًا ونوعيًا؟
خامسًا، هل يعلن الجيش اللبناني خطوات انتشار جديدة في المناطق المتفق عليها؟
الهدنة لم تنته رسميًا. لكن مقتل الجنود والضحايا اللبنانيين أثبت أن الاتفاق لم يتحول بعد إلى نظام مستقر يمنع الحوادث أو يحتويها.
والمعيار الحقيقي خلال الساعات والأيام المقبلة لن يكون عدد البيانات الدبلوماسية، بل قدرة الأطراف على منع انفجار غامض واحد من إعادة الجنوب بأكمله إلى الحرب.

