أزمة سبتة تكشف انقسام أوروبا حول الهجرة
تدفق غير مسبوق يعيد فتح ملف شنغن
ملخص :
- سبتة شهدت تدفقًا واسعًا لمهاجرين من المغرب ودول أفريقية.
- المغرب نفى مسؤوليته عن الأحداث وربطها بالتضليل الرقمي.
- السلطات الإسبانية أعادت معظم العابرين بسرعة.
- دول أوروبية طالبت بتشديد الحدود ومراجعة وضع إسبانيا داخل شنغن.
- فرنسا والبرتغال ولوكسمبورغ دعت إلى التضامن مع مدريد.
ماذا حدث في سبتة؟
شهدت مدينة سبتة الخاضعة للإدارة الإسبانية شمال المغرب موجة عبور جماعي غير مسبوقة، بعدما تدفق إليها عشرات الآلاف من المواطنين المغاربة والأفارقة خلال فترة قصيرة.
وبحسب الأرقام الواردة في المادة المصدرية، قد يصل عدد المشاركين في محاولات العبور إلى 60 ألف شخص، فيما أعلنت السلطات الإسبانية تسجيل 72 حالة وفاة خلال يومين من الفوضى.
لكن هذه الأرقام تحتاج إلى توثيق مستقل وتفاصيل إضافية حول طريقة احتسابها، خصوصًا في ظل ضخامتها مقارنة بموجات الهجرة السابقة.
وجاءت الأحداث في وقت حساس بالنسبة إلى المغرب، بالتزامن مع ذكرى جلوس الملك محمد السادس على العرش، ما أعاد النقاش حول الظروف الاقتصادية والاجتماعية التي تدفع الشباب إلى خوض طرق هجرة خطرة.
موجة فاجأت السلطات الإسبانية
لم تكن الأجهزة الأمنية في سبتة مستعدة لحجم التدفق الذي شهدته المدينة.
وأظهرت الصور انتشار قوات الجيش والشرطة في الشوارع والمناطق الساحلية، بينما بدأت السلطات بإعادة عدد كبير من العابرين إلى الجانب المغربي من الحدود.
وبحسب الإحصاءات الإسبانية الواردة في النص، تجاوز عدد الوافدين إلى سبتة خلال هذه الموجة عدد المهاجرين الذين دخلوا إسبانيا بصورة غير نظامية طوال عام 2025 بنحو 15 ألف شخص على الأقل.
وكان عدد المهاجرين المسجلين خلال عام 2025 قد بلغ 36 ألفًا و775 شخصًا.
المغرب ينفي المسؤولية
نفت وزارة الداخلية المغربية أن تكون الرباط قد سمحت بحدوث التدفق أو استخدمته وسيلة ضغط سياسية على إسبانيا.
وقالت إن الأحداث نتجت عن عوامل متداخلة، من بينها:
- استخدام الفضاء الرقمي لنشر دعوات مضللة.
- نشاط شبكات الاتجار بالبشر.
- تقديم معلومات غير صحيحة عن قوانين الهجرة.
- التفسير الخاطئ لبعض القرارات الإدارية والقضائية.
ويشير هذا التفسير إلى أن آلاف الأشخاص ربما تحركوا بناءً على اعتقاد بأن وصولهم إلى سبتة سيمنع إعادتهم مباشرة إلى المغرب.
هل كانت الأزمة رسالة سياسية؟
طرحت المادة عدة احتمالات لتفسير توقيت الأحداث، لكن لم يثبت أي منها بصورة رسمية.
من بين هذه الاحتمالات أن تكون موجة العبور مرتبطة بالتوتر في العلاقات المغربية الإسبانية بعد التقارب الأخير بين مدريد والجزائر.
وجاء هذا التقارب بعد زيارة رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز إلى الجزائر في 20 يوليو/تموز، في محاولة لإنهاء مرحلة من التوتر بين البلدين.
وسبق أن تأثرت العلاقات الإسبانية الجزائرية بعد تبني مدريد المقترح المغربي المتعلق بمستقبل الصحراء.
لكن لا يقدم النص دليلًا مباشرًا يثبت أن المغرب استخدم ملف الهجرة ردًا على زيارة سانشيز أو على تقارب مدريد مع الجزائر.
اتفاق جبل طارق يدخل المشهد
طرح تفسير آخر يربط الأحداث بإلغاء الخط البحري الذي كان يصل المغرب بجبل طارق.
وجاء إلغاء الخط بعد دخول اتفاق بين الاتحاد الأوروبي وبريطانيا حيز التنفيذ في 15 يوليو/تموز، أزيلت بموجبه الحواجز المادية بين جبل طارق وإسبانيا.
وبذلك أصبحت منطقة جبل طارق أقرب عمليًا إلى نظام شنغن الخاص بحرية التنقل داخل الاتحاد الأوروبي.
وبحسب المادة، ترى الرباط أن الترتيبات الجديدة تؤثر في مصالح المغاربة المقيمين في جبل طارق وفي قدرتهم على التواصل مع بلدهم.
لكن لا توجد في النص معلومات تؤكد وجود علاقة مباشرة بين إلغاء الخط البحري وموجة العبور إلى سبتة.
قرار قضائي فهمه البعض بصورة خاطئة
يبدو أن أحد أهم العوامل التي شجعت على العبور كان تفسيرًا منتشرًا لقرار صادر عن المحكمة العليا الإسبانية.
وبحسب هذا التفسير، لا يجوز ترحيل شخص وصل إلى الأراضي الإسبانية من دون أن يعترضه حاجز مادي.
وانتشرت بين الراغبين في الهجرة فكرة أن الوصول إلى شاطئ سبتة سباحة سيمنع إعادتهم مباشرة.
لكن هذا الفهم لا يعني أن الشخص يحصل تلقائيًا على حق الإقامة أو اللجوء، إذ تبقى كل حالة خاضعة للإجراءات القانونية الفردية.
وردت السلطات الإسبانية ببناء حاجز مادي قرب الشاطئ، بهدف منع الوصول الحر إلى الأراضي التابعة لسبتة عبر البحر.
من أزمة حدودية إلى خلاف أوروبي
لم تبقِ أحداث سبتة الخلاف محصورًا بين المغرب وإسبانيا.
فقد أعادت صور التدفق الجماعي إلى أذهان الأوروبيين أزمة اللجوء التي شهدتها القارة خلال عامي 2015 و2016، عندما وصل مئات الآلاف من اللاجئين من سوريا ودول أخرى.
وأثارت الأزمة أسئلة جديدة حول قدرة الاتحاد الأوروبي على حماية حدوده الخارجية، وحول تأثير السياسات الوطنية لكل دولة في بقية دول منطقة شنغن.
كما جددت الانتقادات الموجهة إلى قرار الحكومة الإسبانية تسوية أوضاع نحو 500 ألف مهاجر غير نظامي وفق شروط محددة.
وترى حكومات أوروبية يمينية أن مثل هذه القرارات قد تشجع مزيدًا من المهاجرين على محاولة الوصول إلى أوروبا.
ميلوني تقود الضغط على مدريد
تزعمت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني الدعوات المطالبة باتخاذ إجراءات ضد إسبانيا.
وطالبت أطراف أوروبية بدراسة تعليق عضوية إسبانيا مؤقتًا في منطقة شنغن، بدعم من الدنمارك وفنلندا ودول أخرى.
وقال وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني إن أزمة سبتة تؤكد أن إدارة الحدود الخارجية للاتحاد مسؤولية مشتركة.
كما فرضت إيطاليا رقابة مؤقتة على الرحلات الجوية والبحرية القادمة من إسبانيا لمدة شهر.
وأيدت الدنمارك وفنلندا والتشيك والسويد دراسة إجراءات مشابهة، بسبب المخاوف من انتقال المهاجرين من إسبانيا إلى دول أخرى في شمال أوروبا.
السويد تحذر من الهجرة الثانوية
عبّر رئيس الوزراء السويدي أولف كريسترسون ووزير الهجرة يوهان فورسيل عن رفضهما استقبال مهاجرين يدخلون أوروبا عبر إسبانيا ثم يتوجهون شمالًا.
واعتبرا أن السياسة الإسبانية قد تهدد حرية التنقل داخل الاتحاد الأوروبي.
ويعكس هذا الموقف أحد أكبر التحديات التي تواجه شنغن: فالدولة التي تستقبل المهاجرين أولًا قد لا تكون بالضرورة وجهتهم النهائية.
ولهذا تخشى الدول الشمالية من أن تتحول أزمة سبتة إلى حركة داخلية واسعة للمهاجرين عبر الحدود الأوروبية المفتوحة.
أوروبا منقسمة
طلبت 22 دولة أوروبية عقد اجتماع طارئ لوزراء داخلية الاتحاد عبر تقنية الفيديو لمناقشة الأزمة.
وتدعو الرسالة المشتركة إلى:
- تعزيز حماية الحدود الخارجية.
- مكافحة الهجرة غير النظامية.
- ملاحقة شبكات تهريب البشر.
- تسريع عمليات إعادة المهاجرين.
- تقليل العوامل التي تشجع الدخول غير القانوني.
لكن فرنسا والبرتغال ولوكسمبورغ رفضت توقيع الرسالة، وركزت بدلًا من ذلك على ضرورة دعم إسبانيا وعدم عزلها.
وهكذا كشفت أزمة سبتة انقسامًا بين معسكر يريد العقوبات والتشديد، وآخر يدعو إلى التضامن والحلول المشتركة.
هل تُعلّق إسبانيا من شنغن؟
يعد تعليق مشاركة دولة في منطقة شنغن خطوة سياسية وقانونية كبيرة، ولا يتم بمجرد مطالبة بعض الحكومات بها.
كما أن المادة لا توضح وجود قرار رسمي أو مسار قانوني بدأ بالفعل لإخراج إسبانيا من الاتفاقية.
لكن مجرد طرح الفكرة يعكس حجم التوتر داخل الاتحاد، ومدى ارتباط حرية التنقل بقدرة الدول على ضبط حدودها الخارجية.
وإذا توسعت عمليات الرقابة الداخلية بين الدول الأوروبية، فقد يتضرر أحد أهم إنجازات الاتحاد: التنقل من دون نقاط تفتيش دائمة بين الدول الأعضاء.
اجتماع أوروبي للبحث عن رد موحد
دفعت الانقسامات رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين إلى التدخل، والدعوة إلى صياغة رد أوروبي موحد.
وطالبت بتعزيز حماية الحدود الخارجية، مع الحفاظ على التعاون بين الدول الأعضاء بدل اتخاذ إجراءات منفردة.
ومن المنتظر أن يناقش وزراء الداخلية في اجتماعهم الطارئ كيفية ضبط الحدود، والتعامل مع طلبات اللجوء، وإعادة المهاجرين، ومواجهة شبكات التهريب.
لكن نجاح الاجتماع سيعتمد على قدرة الدول على التوفيق بين اتجاهين متعارضين: حماية الحدود، والحفاظ على حرية الحركة والتضامن داخل الاتحاد.
لم تكشف أحداث سبتة هشاشة الحدود بين المغرب وإسبانيا فقط، بل كشفت أيضًا هشاشة التوافق الأوروبي حول الهجرة.
فبين دول تطالب بمعاقبة مدريد، وأخرى تدعو إلى دعمها، أصبح مستقبل شنغن جزءًا من أزمة بدأت من مدينة صغيرة على الضفة الجنوبية للمتوسط.
لكن خلف الأرقام والخلافات السياسية، يبقى السؤال الأهم: ما الذي يدفع آلاف الشباب إلى المخاطرة بحياتهم للوصول إلى أوروبا؟
وهل تستطيع أوروبا حماية حدودها من دون تجاهل الأسباب الاقتصادية والإنسانية التي تدفع الناس إلى الهجرة؟

