32 مليار دولار طلبات معلّقة.. كيف تحولت حروب إسرائيل إلى واجهة بيع لصناعتها العسكرية؟
سجل طلبات قياسي عند Elbit Systems، وصادرات دفاعية إسرائيلية تضاعفت أربع مرات خلال عقد — ووزير الدفاع نفسه يربط ذلك مباشرة بأداء الجيش في الحروب الأخيرة.
ملخص :
بينما تُقاس حروب غزة ولبنان وإيران عادة بعدد الضحايا والدمار وكلفة العمليات العسكرية، ظهر صباح اليوم رقم يكشف وجهًا اقتصاديًا آخر للحرب.
أعلنت Elbit Systems، أكبر شركة دفاعية إسرائيلية، أن قيمة طلباتها المتراكمة وصلت بنهاية يونيو/حزيران إلى مستوى قياسي بلغ 32 مليار دولار، بعد ارتفاع الإيرادات الفصلية إلى 2.29 مليار دولار، مقارنة بـ1.97 مليار في الفترة نفسها من العام الماضي. كما ارتفع صافي الربح وفق المعايير المحاسبية من 125.7 مليون إلى 173.6 مليون دولار. والأهم أن هذا الرقم ليس قفزة مفاجئة: الـBacklog كان 23 مليار دولار قبل عام واحد فقط، وارتفع إلى 30.2 مليار مع نهاية الربع الأول من 2026، قبل أن يصل إلى 32 مليار الآن — أي أنه مسار تصاعدي متسارع، لا رقمًا لحظيًا معزولًا.
لكن الرقم الأكثر أهمية ليس حجم الطلبات فقط.
73% من هذه الطلبات تأتي من خارج إسرائيل.
والزيادة الأخيرة جاءت أساسًا من أوروبا.
وهنا تصبح القصة أكبر من نتائج شركة:
كيف تحولت سنوات الحرب الإسرائيلية إلى واحدة من أهم أدوات تسويق السلاح الإسرائيلي عالميًا؟
والأهم: عندما تصف وزارة الدفاع الإسرائيلية بنفسها أنظمة شركاتها بأنها «مجرّبة في القتال» وتربط أداءها في غزة ولبنان وإيران بارتفاع الطلب العالمي، أين ينتهي الاستخدام العسكري ويبدأ التسويق التجاري؟
الخلاصة في 30 ثانية
Elbit Systems أعلنت صباح الثلاثاء نمو إيرادات الربع الثاني بنحو 16% على أساس سنوي، ووصول سجل الطلبات إلى 32 مليار دولار، وهو أعلى مستوى في تاريخ الشركة. ومن هذا السجل، 73% مرتبط بعملاء خارج إسرائيل، مع نمو تقوده أوروبا تحديدًا في قطاع الاتصالات العسكرية والأمن السيبراني، الذي ارتفعت إيراداته 11% "بسبب ارتفاع مبيعات أنظمة الراديو والقيادة والسيطرة في أوروبا" على وجه التحديد، بحسب الشركة نفسها.
هذه ليست ظاهرة تخص Elbit وحدها.
وزارة الدفاع الإسرائيلية أعلنت في يونيو أن صادرات السلاح الإسرائيلية كلها وصلت عام 2025 إلى رقم قياسي قدره 19.2 مليار دولار، بزيادة تقارب 30% خلال عام واحد (من 14.8 مليار دولار في 2024)، وبأكثر من ضعف قيمتها خلال خمس سنوات. وكانت أوروبا أكبر سوق منفرد بحصة 36%، لكن آسيا والمحيط الهادئ لم تكن بعيدة — بحصة 32% تقريبًا مماثلة، بعد أن تضاعفت شبه صادراتها من 3.4 مليار دولار في 2024 إلى 6.1 مليار دولار في 2025 وحدها. بمعنى آخر، الظاهرة ليست أوروبية فقط، بل عالمية بامتياز.
الأكثر لفتًا للانتباه أن الوزارة نفسها قالت إن استخدام الأنظمة الإسرائيلية في ساحات القتال المختلفة ولّد طلبًا دوليًا قويًا عليها. وزير الدفاع الإسرائيلي إسرائيل كاتس ذهب أبعد من ذلك، قائلًا إن هناك "خيطًا واضحًا لا لبس فيه يربط إنجازات الجيش الإسرائيلي الميدانية على كل الجبهات، والقدرات الاستثنائية للصناعات الدفاعية الإسرائيلية، ونجاح الصادرات الدفاعية الإسرائيلية حول العالم."
إذن هناك سلسلة اقتصادية أصبحت واضحة:
حرب → استخدام ميداني للمنظومة → إثبات الأداء → اهتمام دول أخرى → عقود تصدير جديدة.
لكن هذا لا يعني أن كل عقد جديد نتج مباشرة من حرب غزة أو إيران؛ ارتفاع الإنفاق الدفاعي الأوروبي والحرب في أوكرانيا وتحولات الأمن العالمي عوامل أساسية أيضًا.
أولًا.. ما هي Elbit Systems أصلًا؟
Elbit هي أكبر شركة دفاعية إسرائيلية مدرجة في البورصة، وتعمل في منظومات الطائرات المسيّرة، المدفعية، الاتصالات العسكرية، الحرب الإلكترونية، الاستطلاع، الذخائر، أنظمة الطائرات والقوات البرية وغيرها. Reuters تصفها بأنها أكبر شركة دفاع في إسرائيل، بينما تعمل الشركة مع جيوش وحكومات في عشرات الدول.
والشركة ليست مجرد مُصدّر.
هي أيضًا مورد رئيسي للجيش الإسرائيلي خلال الحروب الحالية.
Reuters قالت إن نمو مبيعاتها في الربع الثاني استفاد من النزاعات العسكرية الإسرائيلية في غزة ولبنان وإيران.
لكن ما يجعل القصة مهمة هو أن الطلب لم يبق محليًا.
معظم دفتر المستقبل أصبح خارجيًا.
ماذا يعني أصلًا «32 مليار دولار من الطلبات»؟
لا يعني أن Elbit استلمت 32 مليار دولار اليوم.
دفتر الطلبات Backlog هو قيمة العقود التي فازت بها الشركة ولم تنفذها بالكامل بعد.
أي أنه يشبه قائمة أعمال مستقبلية مضمونة نسبيًا.
الشركة تقول إن نحو 42% من هذه الطلبات يفترض تنفيذها خلال بقية 2026 وعام 2027.
لذلك عندما يصل Backlog إلى رقم قياسي، فهو لا يخبرنا فقط كيف كان أداء الشركة في الأشهر الثلاثة الماضية.
بل يعطينا مؤشرًا عن سنوات العمل التي أصبحت موجودة مسبقًا أمام خطوط إنتاجها.
وهذا ما يجعل رقم 32 مليار دولار أهم من الربح الفصلي نفسه.
لكن لماذا تشتري أوروبا السلاح الإسرائيلي بهذا الحجم؟
لأن أوروبا نفسها أصبحت داخل أكبر موجة إعادة تسلح منذ عقود.
الحرب الروسية الأوكرانية دفعت الحكومات إلى زيادة ميزانيات الدفاع، وتوسيع مخزون الصواريخ والدفاع الجوي والمدفعية والطائرات المسيّرة. وفي أغسطس وحده، تسجل شركات دفاع أوروبية مثل Renk طلبات قياسية، بينما تعمل شركات مثل Rheinmetall على توسيع الإنتاج لتلبية النقص في المخزونات.
وإسرائيل تبيع بالضبط أنواعًا من الأنظمة التي أصبحت مطلوبة بشدة.
وفق وزارة الدفاع الإسرائيلية، شكلت الصواريخ وأنظمة الدفاع الصاروخي والجوي 29% من صادرات الدفاع الإسرائيلية في 2025، بينما جاءت أنظمة الرصد والبصريات في المرتبة التالية بـ22% — قفزة كبيرة من 6% فقط في 2024.
أوروبا وحدها اشترت 36% من إجمالي الصادرات الإسرائيلية خلال ذلك العام.
وعلى مستوى Elbit تحديدًا، هذا النمط ظاهر بالأرقام: قسم الاتصالات العسكرية والأمن السيبراني (C4I and Cyber) نما 11% في الربع الثاني، والشركة نفسها تقول إن السبب الرئيسي هو زيادة مبيعات أنظمة الراديو والقيادة والسيطرة في أوروبا تحديدًا. في المقابل، نما قسم الاستطلاع والحرب الإلكترونية 22%، مدفوعًا جزئيًا بمبيعات أنظمة الليزر عالية القدرة في منطقة آسيا والمحيط الهادئ — ما يؤكد أن النمو الأوروبي والآسيوي يسيران معًا، لا أن أحدهما بديل عن الآخر.
إذن الطلب الأوروبي لا يأتي فقط لأنه «يؤيد إسرائيل».
إنه جزء من تحول أمني عالمي أوسع من أوروبا وحدها.
لكن إسرائيل تقول شيئًا أكثر حساسية
في إعلانها الرسمي عن أرقام التصدير لعام 2025، لم تفصل وزارة الدفاع الإسرائيلية بين أداء الأنظمة في الحرب وبين قدرتها على بيعها.
الوزارة قالت إن الأنظمة الإسرائيلية عملت خلال الحرب بينما استمرت المصانع في تلبية طلبات العملاء الأجانب، وإن الأداء الذي وصفته بأنه combat-proven في ساحات العمليات — بما في ذلك عملية "أسد صاعد" ضد إيران في يونيو 2025 — ساعد على توليد الطلب الدولي. كما ربط وزير الدفاع إسرائيل كاتس صراحة بين أداء الجيش في غزة ولبنان وإيران واليمن وبين نجاح الصادرات الدفاعية، في تصريح مباشر لا يترك مجالًا كبيرًا للتأويل.
هذا ليس استنتاجًا صحفيًا من SATR.
إنها الطريقة التي تقدم بها المؤسسة الدفاعية الإسرائيلية نفسها تجاريًا.
وهنا يظهر مفهوم معروف جدًا في صناعة السلاح:
«Battle-tested»
أي أن النظام لم يُجرَّب فقط في مختبر أو تدريب.
بل استُخدم في حرب فعلية.
بالنسبة للمشتري العسكري، هذه قد تكون ميزة تجارية قوية: هو يستطيع رؤية كيف يعمل الرادار أو الطائرة المسيّرة أو نظام الاعتراض في ظروف حقيقية.
لكن بالنسبة للمدني الموجود داخل ساحة الاختبار تلك، المعنى مختلف تمامًا.
هنا تظهر المفارقة الأخلاقية
في عالم التكنولوجيا العادي، الشركة تختبر منتجها ثم تبيعه.
في الصناعات العسكرية، قد تصبح الحرب نفسها جزءًا من إثبات المنتج.
وهذا لا يعني أن شركات السلاح تبدأ الحروب لكي تبيع.
لا يوجد دليل يبرر مثل هذا الادعاء.
لكن بمجرد اندلاع حرب واسعة، تستطيع الشركة الحصول على شيء يصعب إنتاجه صناعيًا:
بيانات استخدام حقيقية تحت الضغط.
ما الذي أصاب الهدف؟
ما الذي فشل؟
ما النظام الذي اعترض المسيّرة؟
كم استغرق اكتشاف الصاروخ؟
وكيف تعامل النظام مع تشويش إلكتروني؟
ثم تدخل هذه الخبرة في النسخة التالية من المنتج، وفي عروض البيع إلى الجيوش الأخرى.
وهكذا يستطيع حدث إنساني وعسكري كارثي أن يتحول في الوقت نفسه إلى ميزة تنافسية لشركة دفاعية.
هل الحرب إذن هي السبب الوحيد لازدهار Elbit؟
لا.
هذه واحدة من أهم النقاط التي يجب عدم اختزالها.
هناك ثلاثة محركات رئيسية على الأقل.
الأول هو الحروب التي تشارك فيها إسرائيل، والتي رفعت الطلب المحلي ومنحت أنظمتها استخدامًا ميدانيًا واسعًا — وهذا واضح في نمو قسم الأنظمة البرية بنسبة 32% في الربع الثاني وحده، مدفوعًا أساسًا بمبيعات الذخائر داخل إسرائيل. Reuters ربطت نمو Elbit الأخير بالحروب في غزة ولبنان وإيران.
الثاني هو الحرب الروسية الأوكرانية وارتفاع ميزانيات الدفاع الأوروبية.
والثالث هو سياسة إسرائيل نفسها لتوسيع صادرات السلاح. وزارة الدفاع تقول إنها خففت بعض قيود التصدير، وفتحت أسواقًا جديدة، ووسعت اتفاقيات الحكومة مع الحكومات الأخرى.
لذلك المعادلة الأدق هي:
حروب متعددة + إنفاق دفاعي عالمي أعلى + منتجات استخدمت ميدانيًا + سياسة تصدير نشطة = طفرة في صناعة الدفاع الإسرائيلية.
كم كبرت صناعة السلاح الإسرائيلية فعلًا؟
في 2025 وحده وصلت صادرات الدفاع الإسرائيلية إلى 19.2 مليار دولار.
قبل عام واحد كانت نحو 14.8 مليار دولار.
أي أن الزيادة تقارب 30% خلال عام واحد فقط.
وزارة الدفاع تقول إن الصادرات:
تضاعفت أكثر من مرتين خلال خمس سنوات.
و:
أصبحت أربعة أضعاف مستواها قبل عقد.
كما أن 53% من الصفقات الموقعة في 2025 تجاوزت قيمة الواحدة منها 100 مليون دولار.
هذه لم تعد صناعة صغيرة تعتمد على بعض الصفقات المتخصصة.
إنها أصبحت أحد أصول القوة الاقتصادية والدبلوماسية الإسرائيلية.
السلاح هنا ليس اقتصادًا فقط
وزارة الدفاع الإسرائيلية نفسها تقول إن التصدير يخدم أيضًا السياسة الخارجية والشراكات الاستراتيجية، وليس الإيرادات فقط. الاتفاقيات الحكومية المباشرة وصلت عام 2025 إلى رقم قياسي يقارب 10 مليارات دولار — أكثر من نصف إجمالي قيمة الصفقات.
وهذا مهم لفهم طبيعة تجارة السلاح.
عندما تشتري دولة نظام دفاع جوي مثلًا، لا تشتري صندوقًا وتنتهي العلاقة.
قد تحتاج لسنوات إلى:
التدريب.
الذخائر.
قطع الغيار.
التحديثات البرمجية.
الصيانة.
دمج النظام مع بقية شبكتها العسكرية.
لذلك يمكن لعقد دفاعي واحد أن يصنع علاقة سياسية وعسكرية طويلة الأمد بين دولتين.
وهذا يفسر لماذا تعتبر الدول الصناعات الدفاعية جزءًا من قوتها الخارجية، وليس فقط قطاعًا تجاريًا.
وهل المقاطعات والقيود الأوروبية أوقفت هذا النمو؟
حتى الآن، الأرقام تقول إن الصورة أكثر تعقيدًا.
إسرائيل تواجه احتجاجات وحملات سياسية وقانونية في دول أوروبية بسبب الحرب في غزة، كما فرضت بعض الحكومات قيودًا أو ناقشت تقليص التعاون العسكري. لكن أوروبا في الوقت نفسه بقيت أكبر سوق للصادرات العسكرية الإسرائيلية عام 2025، وكانت المحرك الأساسي لارتفاع دفتر طلبات Elbit خلال الربع الثاني من 2026.
بمعنى آخر:
هناك ضغط سياسي أوروبي على إسرائيل بالتوازي مع طلب عسكري أوروبي مرتفع على التكنولوجيا الإسرائيلية.
وهذه واحدة من أكثر مفارقات العلاقة الحالية وضوحًا.
ماذا تخبرنا أرقام اليوم عن «اقتصاد الحرب»؟
المصطلح لا يعني أن الاقتصاد كله يستفيد من الحرب.
إسرائيل نفسها تحملت كلفة اقتصادية وعسكرية ضخمة من سنوات القتال، ولا يمكن مقارنة أرباح شركة واحدة بتكلفة الحرب الكلية.
لكن داخل الاقتصاد توجد قطاعات تتحرك بعكس الاتجاه.
كلما ارتفع الشعور بالخطر، ارتفع استعداد الحكومات لشراء الأمن.
وهنا توجد صناعة الدفاع.
الأرقام الجديدة لـElbit توضح هذا المنطق بشكل مباشر:
إيرادات أعلى.
أرباح أعلى.
طلبات قياسية.
ومعظم العمل المستقبلي يأتي من دول أخرى.
إذن الحرب بالنسبة للمجتمع قد تكون خسارة.
لكن بالنسبة لشركة تبيع أنظمة تستخدم في الحرب، يمكن أن تكون في الوقت نفسه سوقًا متوسعة.
العبارتان ليستا متناقضتين.
لماذا هذه القصة مهمة لجمهور عربي؟
لأنها تغيّر الطريقة التي نفهم بها الحرب.
نحن غالبًا ننظر إلى السلاح من آخر السلسلة:
صاروخ أُطلق.
مسيّرة أسقطت.
منزل قُصف.
لكن قبل ذلك توجد سلسلة اقتصادية كاملة:
بحث وتطوير → عقد حكومي → مصنع → حرب → تقييم أداء → تحديث المنتج → عقد جديد مع دولة أخرى.
وعندما نرى نظامًا عسكريًا يستخدم في غزة أو لبنان أو إيران، قد لا تنتهي قصته بانتهاء العملية.
قد يبدأ بعدها فصل تجاري جديد في أوروبا أو آسيا أو أي سوق آخر.
وهذا جزء أساسي من الاقتصاد السياسي للحروب الحديثة.

