في ماليزيا.. يد ممتدة في ظل الأبراج الشاهقة
التناقض تحت ظلال "بتروناس"
Warning: Undefined variable $RSwriter in /home/satrmedia/public_html/post.php on line 89
ملخص :
في قلب العاصمة الماليزية كوالالمبور، حيث ترتفع أبراج "بتروناس" التوأم لتمس السحاب كرمز لنهضة اقتصادية نمطية آسيوية تحاكي الفخامة والحداثة، تقع عين الزائر والمواطن على مشهد آخر يروي قصة مختلفة تمامًا، عند أعتاب محطات القطار السريع (LRT)، وفي زوايا أسواق "بوكيت بينتانج" الصاخبة، وعلى مقربة من المجمعات التجارية الفاخرة، تتمدد أيدٍ ممتدة تطالب بالبصيص المالي يوميًا.
لم تعد ظاهرة التسول في ماليزيا مجرد مشهد عابر يُعزى لفقر فردي أو عوز طارئ، بل تحولت إلى ظاهرة اجتماعية هجينة ومعقدة تستدعي التوقف والتفكيك، إنها تتوسط خط التماس بين النمو الاقتصادي المتسارع والهجرة غير النظامية، وبين شبكات المنظمات الإجرامية المنظمة والثقافة الدينية العميقة التي تحث على العطاء والصدقة.
كيف لبلد يسعى بكل قوته للانضمام إلى نادي الدول المتقدمة ذات الدخل المرتفع أن يواجه ظاهرة تنمو في المساحات المظلمة لمدنه الحضارية؟ وما هو البعد الاجتماعي والانساني القابع خلف وجه كل متسول في شوارع ماليزيا؟
تفكيك البعد الاجتماعي والتركيبة الديموغرافية
تتسم التركيبة الديموغرافية للمتسولين في ماليزيا بالتنوع والتعقيد الشديدين، إذ لا يمكن التعامل معها "كتلة واحدة صماء"، تقف في مقدمة هذه المشهدية فئات اللاجئين والمهاجرين غير النظاميين، وعلى رأسهم لاجئو الروهينغا الفارين من الاضطهاد في ميانمار، إلى جانب مهاجرين من جنسيات جنوب آسيا كبنغلادش وباكستان، ونظرًا لأن ماليزيا ليست دولة موقعة على اتفاقية الأمم المتحدة للاجئين عام 1951، فإن هؤلاء يفتقرون للحق القانوني في العمل الرسمي أو التعليم، مما يدفع الفئات الأشد ضعفًا منهم -وخاصة النساء والأطفال- إلى اتخاذ الرصيف ملجأ ومصدرًا أخيرًا للعيش وتأمين القوت اليومي.
ولا تقتصر الظاهرة على الأجانب واللاجئين فحسب، بل تمتد لتشمل مواطنين ماليزيين أطاحت بهم مظلة الحماية الاجتماعية وسحقتهم الظروف الاقتصادية المتغيرة، يظهر بين المتسولين من كبار السن الذين يفتقرون للمعيل، وأصحاب الإعاقات الجسدية أو الاضطرابات النفسية والعقلية، ممن وجدوا أنفسهم في العراء نتيجة للتفكك الأسري أو ضعف عائلاتهم عن تحمل تكاليف الرعاية الصحية والمعيشية المرتفعة في المراكز الحضرية، وإلى جانب ذلك، تتجلى المعاناة الأشد إيلامًا في مشاركة الأطفال في أعمال الاستجداء، حيث يُستغلون في بيع المناديل، أو الزهور، أو طلب العطف المباشر، سواء كان ذلك بضغط من أسرهم البائسة أو بدفع من أطراف أخرى.
تتحرك ظاهرة التسول في ماليزيا داخل ديناميكية اجتماعية ونفسية فريدة تقع بين التهميش الحضري والتسامح الديني، فالتوسع العمراني والاقتصادي السريع الذي شهدته مدن كبرى مثل كوالالمبور وسيلانجور تانجونج بينانج خلال العقود الأخيرة خلق فجوة طبقية واضحة، حيث عجزت شرائح اجتماعية غير قادرة على مجاراة متطلبات سوق العمل الحديثة عن الاندماج، هذا التهميش جعل من الرصيف مساحة استرزاق بديلة لا تتطلب رأس مال سوى البقاء في الميدان و استدرار عاطفة المارة في مجتمع يتسم بالسرعة وتراكم الثروات.
وفي المقابل، تتغذى الظاهرة بوضوح على ثقافة "الصدقة" والتعاطف الديني العميق الراسخ في المجتمع الماليزي المتعدد الأديان والإثنيات، وتدفع القيم الإسلامية لدى الأغلبية المسلمة، بالإضافة إلى المبادئ البوذية والهندوسية والمسيحية، المواطنين والمقيمين إلى المبادرة بفعل الخير وتفقد المحتاجين، وتحديدًا خلال المناسبات والأعياد مثل شهر رمضان، وعيد الفطر، والسنة الصينية الجديدة، تحول هذه المواسم الشوارع ومحيط المساجد والمعابد إلى نقاط جذب عالية للمتسولين.
وعلى جانب أكثر خطورة، كشفت التحقيقات والتقارير الأمنية أن التسول لم يعد يمارس كفعل فردي ناتج عن الحاجة فقط، بل تحول في كثير من الأحيان إلى نشاط تجاري تُديره شبكات إجرامية منظمة تُعرف بـ "مافيا التسول". تقوم هذه العصابات باستغلال وتجنيد الأطفال والأشخاص ذوي الإعاقة، وتستوردهم أحياناً عبر الحدود من دول جوار مثل تايلاند أو فيتنام وتأشيرات سياحية، ثم يتم توزيعهم بأسلوب مدروس على نقاط ذات كثافة عالية كالمجمعات التجارية ومحطات القطار. وفي نهاية اليوم، تُجمع حصيلة الاستجداء من الضحايا لتذهب الأرباح الأكبر إلى قيادات الشبكات، مما ينقل القضية من فقر اجتماعي تقليدي إلى جريمة اتجار بالبشر وانتهاك صارخ لحقوق الإنسان.
من الناحية التشريعية والتنفيذية، تصطدم جهود الدولة بالمعادلة الصعبة بين فرض القانون وحماية الاعتبارات الإنسانية. تعتمد الحكومة على "قانون الأشخاص المحتاجين" الصادر عام 1977 لتنظيم عمليات التفتيش والاحتجاز، ومنح وزارة التنمية والأسرة والمجتمع والشرطة صلاحيات إيداع المتسولين في مراكز الرعاية والتأهيل الحكومية، غير أن الحملات الميدانية الدورية والمداهمات الأمنية تلاقي انتقادات متواصلة من المنظمات الحقوقية، التي ترى أن هذه الإجراءات تعالج الأعراض الظاهرية بدلاً من الجذور الأساسية؛ إذ يغادر المتسولون مراكز الاحتجاز ليعودوا مجدداً إلى الشوارع في ظل غياب حلول جذرية تضمن للاجئين والمحتاجين بدائل معيشية وحقوقية قائمة على الاستدامة
نحو رؤية اجتماعية شاملة للحل
إن ظاهرة التسول في ماليزيا ليست مجرد بقعة مشوهة على ثوب الحداثة العمرانية والاقتصادية للمملكة الآسيوية، بل هي مرآة تعكس التحديات الاجتماعية العميقة التي تواجه مجتمعات النمور الآسيوية في عصر العولمة.
إن معالجة هذه الظاهرة جذريًا لا يمكن أن تتحقق عبر الحملات الأمنية المؤقتة، ولا عبر إغلاق الأعين وإبداء الشفقة العفوية التي تُغذي شبكات الإتجار بالبشر، فإن الحل يكمن في صياغة استراتيجية وطنية شاملة ومتعددة الأبعاد توازن بين إصلاح التشريعات الصادرة منذ عقود لتغليظ العقوبات على شبكات الإتجار، وبين إيجاد أطر تنظيمية تتيح للاجئين والمستضعفين فرصًا مشروعة للعمل والتعليم، إلى جانب رفع الوعي المجتمعي نحو توجيه التبرعات للجمعيات والمؤسسات الرسمية المعنية بدلًا من منجها المباشر في الشوارع.
وستبقى اليد الممتدة في شوارع ماليزيا تذكيرًا دائمًا بأن النهضة الحقيقية للأمم لا تُقاس فقط بارتفاع أطوال الأبراج، بل بقدرة المجتمع على رفع أضعف أفراده وحمايتهم من القاع.

