كيف يدفع اليأس الشباب إلى البحر؟
حين يصبح الغرق أهون من الانتظار..
Warning: Undefined variable $RSwriter in /home/satrmedia/public_html/post.php on line 89
ملخص :
لماذا يصبح الموت في البحر، بالنسبة إلى بعض الشباب، احتمالًا يمكن المخاطرة به، بينما يبدو البقاء بلا عمل موتًا مؤجلًا؟
السؤال لم يعد افتراضيًا. ففي جنوب تونس، تحولت رحلة هجرة غير نظامية إلى مأساة خلال الأيام الأخيرة، بعدما غرق قارب كان يقل 15 تونسيًا قبالة سواحل جرجيس. نجا شخص واحد، فيما انتُشلت جثامين بقية الركاب، بينهم سبعة أفراد من عائلة واحدة
بعد الحادثة، شهدت مدينة بن قردان احتجاجات طالبت بتكثيف عمليات البحث، ورفعت أيضًا مطالب مرتبطة بتحسين الظروف الاقتصادية وتوفير فرص العمل
هذه التفاصيل تضع الهجرة غير النظامية أمام سؤال يتجاوز المهربين والحدود وحرس السواحل: ما الذي يدفع شابًا إلى ركوب قارب يعرف أنه قد لا يصل به إلى الضفة الأخرى؟ والحديث هنا عن الحالة التونسية لأنها الأحدث، لكنه لا ينفي وجود حالات أخرى في إسبانيا والسودنان وليبيا وتركيا عبر البحر الأبيض المتوسط.
البطالة ليست غياب الراتب فقط
في الاقتصادات العربية، لا تبدو مشكلة العمل هامشية. فقد قالت منظمة العمل الدولية إن معدل بطالة الشباب في الدول العربية بلغ 26.2 بالمئة عام 2025، وهو من أعلى المعدلات عالميا. كما ظل أكثر من شاب من كل ثلاثة خارج العمل أو التعليم أو التدريب في المنطقة العربية وشمال أفريقيا
وتكشف الحالة التونسية حجم الضغط بصورة أكثر مباشرة؛ إذ بلغت بطالة الشباب بين 15 و24 عاما 35.4 بالمئة في الربع الثاني من عام 2026، بينما وصلت بطالة خريجي التعليم العالي إلى 26.6 بالمئة
الأرقام هنا لا تعني فقط عددًا من دون دخل. فالشاب الذي يخرج إلى سوق العمل بشهادة أو مهارة ثم يقضي سنوات في البحث عن وظيفة، قد يجد نفسه عاجزًا عن الاستقلال، أو تأسيس أسرة، أو استئجار مسكن، أو حتى المشاركة الاقتصادية الطبيعية في مجتمعه
وهنا يتحول الانتظار من مرحلة مؤقتة إلى تجربة تستنزف الثقة بالنفس وبالمستقبل
لماذا يقبل الشاب بالعمل الأصعب في الخارج؟
المفارقة أن كثيرًا من الشباب لا يهربون من العمل، بل من غياب العمل الذي يمنحهم دخلًا واستقلالًا
قد يقبل الشاب في الخارج بوظيفة متواضعة أو شاقة، إذا كان مردودها يسمح له بتغطية نفقاته ومساعدة أسرته وبناء قدر من الاستقلال. وفي المقابل، قد تبدو الوظيفة المحلية، إن وجدت، غير كافية أمام ارتفاع تكاليف السكن والمعيشة وضعف الأجور
لذلك لا يمكن فهم الهجرة من خلال مقارنة العمل بـالبطالة فقط، بل من خلال مقارنة القيمة الاقتصادية والاجتماعية للعمل في المكانين
وتشير تحليلات البنك الدولي إلى أن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تعاني أصلًا من عجز في الوظائف الجيدة، مع ارتفاع البطالة بين الشباب وضعف مشاركة النساء في سوق العمل
البحر ليس المشكلة وحده
لا تعني هذه القراءة أن كل مهاجر يغادر وطنه بسبب البطالة، أو أن العامل الاقتصادي يفسر وحده قرارات الهجرة. فالحروب، وعدم الاستقرار، و التباين في الأجور، وشبكات الهجرة، وتوقعات الحياة في أوروبا، كلها عوامل متداخلة
لكن تكرار حوادث الغرق، وارتباط بعضها باحتجاجات محلية تطالب بالعمل والفرص الاقتصادية، يجعل تجاهل العامل الاقتصادي خطأ في قراءة الظاهرة
وفي حادثة جرجيس الأخيرة، لم تكن المطالب في الشارع منفصلة عن المأساة؛ فقد ربط المحتجون غضبهم بتهميش المنطقة والحاجة إلى ظروف اقتصادية وفرص أفضل
وهذا لا يثبت أن البطالة وحدها دفعت الضحايا إلى البحر، لكنه يقدم مؤشرًا ميدانيًا مهمًا على البيئة التي تتشكل فيها قرارات الهجرة
من نزيف الأجساد إلى نزيف الطاقات
المشكلة، إذن، لا تبدأ عند الشاطئ، ولا تنتهي عند إنقاذ قارب أو تشديد الرقابة البحرية
الحدود يمكن أن تمنع رحلة، لكنها لا تستطيع وحدها إغلاق الفجوة بين شاب يريد أن يعمل ومستقبل لا يجد فيه مكانًا
ولهذا فإن معالجة الهجرة غير النظامية تحتاج إلى مسارين متوازيين: حماية الأرواح ومكافحة شبكات التهريب من جهة، ومعالجة أسباب الهجرة من جهة أخرى، وفي مقدمتها توفير وظائف منتجة، وأجور قابلة للحياة، ومسارات حقيقية للانتقال من التعليم إلى سوق العمل
فحين يصبح العمل الشاق في بلد بعيد أكثر جاذبية من البطالة في الوطن، وحين يصبح البحر خيارًا رغم احتمال الموت، فإن السؤال لم يعد فقط: كيف نمنع الشباب من الهجرة؟ بل أصبح: كيف نجعل البقاء خيارًا يستحق التفكير؟

أهالي بن قردان يؤدون الصلاة قبل تشييع مهاجرين قضوا إثر غرق مركبهم قبالة جنوب شرقي تونس، 26 آب 2026

