جيل على عتبة الضياع
عامان ونصف من العتمة: كيف يعيد انقطاع التعليم تشكيل طفولة غزة؟
Warning: Undefined variable $RSwriter in /home/satrmedia/public_html/post.php on line 89
ملخص :
في العالم الطبيعي، يُقاس نمو الطفل بالصفوف التي ينتقل إليها، والكتب التي تتبدل بين يديه، وخطّه الذي يصبح أكثر استقامة، وأحلامه التي تكبر عاما بعد عام. لكن في قطاع غزة، وعلى مدى عامين ونصف من الحرب والنزوح والدمار، توقّف الزمن التعليمي تقريبا، وتحولت المدرسة من مساحة للأمل والنمو إلى ركام، أو مأوى مكتظ بالنازحين، أو مجرد ذكرى من حياة سابقة.
عامان ونصف من الانقطاع عن التعليم لا تعني مجرد فجوة في التقويم الدراسي، بل خسارة معرفية ونفسية عميقة تهدد مستقبل مئات الآلاف من الأطفال، وتحرمهم أحد أهم حقوقهم الأساسية: التعلم والنمو في بيئة آمنة ومستقرة.
لم يعد الطفل الغزي يحمل حقيبة مدرسية ممتلئة بالدفاتر والألوان، بل يحمل جالونات الماء، ويبحث عن الحطب، وينتظر طوابير المساعدات، ويساعد أسرته في تأمين احتياجاتها الأساسية.
انتُزعت الطاولة والقلم من أيدي الأطفال لتحل محلهما أدوات البقاء. وفي الوقت الذي يناقش فيه العالم مستقبل التعليم والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، يواجه أطفال غزة خطر فقدان المهارات التعليمية الأساسية، واتساع فجوة معرفية قد تحتاج سنوات طويلة إلى ردمها.
انقطاع الطفل عن المدرسة، خصوصا في السنوات الدراسية الأولى، لا يعني تأخرا يمكن تعويضه بسهولة، بل قد يؤدي إلى فقدان مهارات أساسية في القراءة والكتابة والحساب، وإضعاف قدرته على التعلم لاحقًا.
أما المراهقون وطلبة المرحلة الثانوية، فقد وجدوا أحلامهم الأكاديمية معلقة، في ظل تضرر المدارس والجامعات وتحول بعضها إلى مراكز إيواء. ومع غياب البيئة التعليمية المنتظمة، يتراجع الانضباط الدراسي، ويضعف التواصل مع القراءة والتفكير والتحليل، فيما يصبح المستقبل نفسه أكثر غموضًا.
لم يملأ فراغ المدرسة وقت الفراغ، بل حلت مكانه مسؤوليات قاسية. أُخرج الأطفال من دورهم الطبيعي كمتعلمين، ودُفع كثير منهم إلى المساعدة في تأمين الماء والغذاء والوقود، وتحمل أعباء تفوق أعمارهم.
وهذا التحول القسري يفرض ما يمكن وصفه بـالكهولة المبكرة، إذ يجد الطفل نفسه مسؤولا عن إخوته أو أسرته، ويتعامل يوميا مع مفردات الحرب والإغاثة والأسواق، بدلا من مفردات العلوم والتاريخ واللغة.
المدرسة ليست مكانا للتعلم فقط. إنها فضاء اجتماعي ونفسي يلتقي فيه الأطفال بأقرانهم، ويمارسون اللعب، ويعبّرون عن أنفسهم، ويجدون في المعلم قدوة وموجها.
ومع غيابها، يجد الأطفال أنفسهم في بيئات مكتظة، وسط الخوف والنزوح وأصوات القصف والدمار. وقد تظهر آثار ذلك في القلق، والاضطرابات السلوكية، والعزلة، وصعوبة التعبير عن المشاعر، وفقدان الشغف، في ظل محدودية الدعم النفسي والاجتماعي المنهجي.
إن انقطاع التعليم في غزة ليس مجرد أزمة إغاثية مؤقتة، بل تهديد مباشر لمستقبل جيل كامل. وإعادة بناء المدارس، رغم ضرورتها، لن تكون كافية وحدها فإعادة بناء الإنسان تتطلب أيضا ترميم المهارات التعليمية، ومعالجة الآثار النفسية، واستعادة البيئة الآمنة التي تسمح للطفل بأن يكون طفلا.
ورغم كل هذا الدمار، لا تزال محاولات التعليم تحت الخيام وفي المساحات المؤقتة تحمل رسالة واضحة: القلم لم يمت.
إنقاذ أطفال غزة يتطلب استجابة تاريخية تعيد للكتاب مكانته، وللمعلم دوره، وللمدرسة وظيفتها، وللطفل حقه في أن يتعلم ويحلم. فالحرب قد تهدم الجدران، لكنها لا ينبغي أن تهدم مستقبل جيل كامل.

