العراق... حين لا تكفي وفرة النفط لتأمين الوقود
العراق لا يعاني أزمة نفط، بل أزمة إدارة للثروة النفطية
Warning: Undefined variable $RSwriter in /home/satrmedia/public_html/post.php on line 89
ملخص :
تكشف أزمة الوقود الحالية في العراق مفارقة تتجاوز مشهد الطوابير أمام محطات التعبئة: بلد ينتج ملايين البراميل من النفط الخام يومياً، لكنه يعجز في الوقت نفسه عن توفير البنزين الذي يحتاجه مواطنوه بصورة مستقرة. للوهلة الأولى يبدو الأمر تناقضاً صارخاً، لكن جوهر المشكلة يكمن في الفارق بين إنتاج النفط الخام وبين القدرة على تكريره وتحويله إلى مشتقات نفطية. فالعراق لا يعاني نقصاً في مورد النفط بقدر ما يعاني اختلالاً مزمناً في منظومة التكرير والتخزين والنقل والتوزيع، ما يجعله قادراً على بيع الخام في الأسواق الخارجية، وفي الوقت ذاته مضطراً إلى استيراد جزء من الوقود الذي يستهلكه داخلياً.
وهنا تظهر المفارقة الاقتصادية الأكثر قسوة: العراق يصدّر مادة أولية ذات قيمة استراتيجية هائلة، ثم يعود إلى الأسواق الخارجية لشراء منتج مكرر منها. أي أن المشكلة ليست في غياب النفط، وإنما في عدم تحويل ما يكفي منه إلى قيمة مضافة داخل الاقتصاد العراقي. ولذلك فإن ارتفاع الصادرات إلى أكثر من ثلاثة ملايين برميل يومياً لا يقدم، بحد ذاته، إجابة عن سؤال المواطن الذي يقف ساعات أمام محطة الوقود؛ فالبرميل المصدر ليس بالضرورة بنزيناً، كما أن زيادة إنتاج الخام لا تعني تلقائياً زيادة الطاقة التكريرية المحلية.
الأكثر دلالة أن وزارة النفط نفسها تتحدث عن فجوة بين إنتاج البنزين واستهلاكه، وتقر بالحاجة إلى تعويضها عبر الاستيراد. وفي هذه الحالة تصبح الأزمة اختباراً حقيقياً لقدرة الدولة على إدارة قطاعها النفطي، لا مجرد أزمة إمداد عابرة. فالأعطال الفنية في المصافي والتأخر في وصول الشحنات قد يفسران الاختناق الحالي، لكنهما لا يفسران بالكامل استمرار اعتماد العراق على الاستيراد بعد عقود من تصدير النفط. السؤال الأعمق هنا هو: لماذا لم تتحول الثروة النفطية الهائلة إلى بنية تكريرية قادرة على تحقيق قدر معقول من الاكتفاء الذاتي في سوق البنزين؟
ثم تأتي الحرب والتوترات الإقليمية لتكشف هشاشة هذه المنظومة أكثر مما تصنع الأزمة من الصفر. فإذا كان استيراد البنزين يعتمد على الموانئ وخطوط الملاحة والطرق الإقليمية، فإن أي اضطراب في المنطقة يمكن أن يتحول سريعاً إلى نقص في السوق العراقية. وبذلك يصبح العراق، رغم موقعه كواحد من كبار منتجي النفط، مكشوفاً أمام المخاطر الجيوسياسية مرتين: مرة عندما تتأثر قدرته على تصدير الخام، ومرة عندما تتعطل وارداته من المنتجات النفطية. وهذا يكشف أن الأمن الطاقوي العراقي لا يتعلق فقط بامتلاك النفط، بل بامتلاك سلسلة إمداد وطنية قادرة على الصمود أمام الصدمات.
لكن الأزمة تحمل بعداً آخر لا يقل أهمية، هو أزمة الثقة. فعندما يرى المواطن النفط العراقي يتدفق إلى الأسواق الخارجية بينما يقف هو في طابور لساعات للحصول على البنزين، فإن البيانات الرسمية عن "توفر المشتقات" تصبح أقل إقناعاً من الواقع الذي يراه بعينيه. والأسوأ أن حالة القلق نفسها، بحسب الأرقام التي أوردتها الوزارة، ترفع الاستهلاك اليومي من نحو 33 مليون لتر إلى قرابة 38 مليوناً. وهنا تتحول الأزمة من مشكلة إمداد إلى حلقة مفرغة: الخوف من النقص يدفع إلى التخزين والشراء الزائد، والشراء الزائد يفاقم الطلب، وارتفاع الطلب يطيل الطوابير، والطوابير بدورها تعزز الخوف.
أما الحديث عن احتمال وجود "تلاعب مدبر" من أطراف تضررت من حملة مكافحة الفساد داخل وزارة النفط، فيحتاج إلى أدلة مستقلة لا إلى مجرد التسريبات أو الاتهامات السياسية. لكن مجرد طرح هذا الاحتمال يكشف جانباً خطيراً من الأزمة: قطاع النفط العراقي ليس مجرد قطاع اقتصادي، بل شبكة هائلة من المصالح والأموال والنفوذ. لذلك فإن التحقيق الجاد يجب ألا يكتفي بالبحث عن سبب تعطل مصفاة أو تأخر ناقلة، بل ينبغي أن يتتبع سلسلة الوقود كاملة: من شراء الخام وتكريره، إلى الاستيراد، والتخزين، والنقل، والتوزيع، وصولاً إلى المحطة والمستهلك.
في النهاية، لا تكمن المفارقة العراقية في أن العراق يصدّر النفط بينما يعاني نقص البنزين؛ فهذا يمكن تفسيره فنياً واقتصادياً. المفارقة الحقيقية أن بلداً بهذه الثروة النفطية لم ينجح بعد في بناء منظومة تكرير وإمداد تحمي مواطنيه من أبسط تداعيات اضطراب الأسواق والممرات البحرية. ولذلك فإن الاختبار الحقيقي للحكومة ليس فقط أن تعلن وصول شحنات جديدة وإنهاء الطوابير، وإنما أن تجيب عن سؤال أكبر: متى يتحول العراق من دولة تصدّر النفط الخام وتستورد جزءاً من احتياجاتها النفطية، إلى دولة تستثمر نفطها في بناء أمنها الطاقوي واقتصادها المحلي؟ فالمشكلة ليست في البرميل الذي يخرج من العراق، بل في القيمة التي لا تزال تضيع قبل أن تصل إلى المواطن العراقي.

