حقيبة لا يحملها أحد: قراءة واقعية في لقاء السيسي - بزشكيان بنيودلهي
Warning: Undefined variable $RSwriter in /home/satrmedia/public_html/post.php on line 89
ملخص :
التقى الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان في العاصمة الهندية نيودلهي. على هامش أعمال القمة الثامنة عشرة لتجمع بريكس. وفق بيان للرئاسة المصرية. وشدد خلال اللقاء على موقف مصر الثابت والراسخ في دعم جهود استعادة الاستقرار في المنطقة. كما شدد الرئيس المصري وفقيا لبيان مصري رسمي على "حتمية وقف أي اعتداءات على الدول العربية". حفاظا على مبادئ حسن الجوار وتعزيزا للروابط التاريخية والثقافية التي تجمع شعوب المنطقة.
هذا اللقاء لم يكن اللقاء مفاجأة لمن يتابع مسار العلاقة المصرية الإيرانية منذ اندلاع حرب الاثني عشر يوماً في فبراير 2026. لكنه أثار، كعادته، سؤالا متكررا: هل تتحدث القاهرة باسم العرب حين تلتقي طهران، أم تتحدث باسم نفسها فقط، تاركة للعرب أن يفسّروا الخطوة كما شاؤوا؟
الإجابة الواقعية، بعيدا عن الحماسة أو الاستنكار، هي أن مصر لم تحمل "حقيبة العرب" بالمعنى التمثيلي، ولم تدّع ذلك أصلا. ما فعلته هو ما تفعله كل دولة تدير مصالحها القومية وفق منطق توازن القوى: تحدثت باسم أمنها القومي الخاص، الذي يتقاطع جزئيا مع أمن الخليج والمشرق العربي، دون أن يذوب فيه بالكامل.
في التقليد الواقعي بالعلاقات الدولية لا تتحرك الدول وفق الأيديولوجيا أو الانتماء الهوياتي المجرد، بل وفق حساب المصلحة والقدرة النسبية على التأثير في ميزان القوى الإقليمي. الدولة العقلانية لا تُقفل قنوات الاتصال مع خصم أو منافس محتمل، لأن إغلاق القنوات يعني التنازل عن أداة تأثير قد تكون حاسمة في لحظة تصعيد.
من هذه الزاوية، فإن لقاء السيسي وبزشكيان ليس "اختراقاً سياسياً" بقدر ما هو استمرار منطقي لسياسة مصرية بدأت تتشكل معالمها منذ الأسابيع الأولى لحرب 2026، حين رفضت القاهرة اتساع الصراع وأدانت الاعتداءات الإيرانية على دول الخليج، لكنها في الوقت ذاته لم تقطع الخيط مع طهران، وشاركت - وفق ما تكشفه متابعات دبلوماسية - في مسار تفاوضي غير مباشر لتهدئة الحرب، بناءً على اقتراح تركي، ضمن رباعية سعت لإقناع إيران بإبداء المرونة اللازمة لإنهاء المواجهة.
هذا النمط من السلوك يتطابق مع ما يسميه الواقعيون "التوازن الناعم" أو الهدج (Hedging): دولة إقليمية متوسطة القوة، كمصر، لا تملك رفاهية الانحياز الكامل لمحور ضد آخر، فتفضّل الإبقاء على خطوط تواصل متعددة مع كل الأطراف - الخليج، إسرائيل، إيران، تركيا، واشنطن - لتعظيم هامش المناورة وتقليل مخاطر الانجرار إلى صراع لا تتحكم في توقيته أو نتائجه.
القراءة الواقعية للمكاسب لا تبحث عن "مبادئ" بل عن عوائد ملموسة:
أولا، موقع الوسيط لا الخصم. الدولة التي تحتفظ بقناة مفتوحة مع طرف متصادم تصبح مرشحة طبيعية للعب دور في أي تهدئة أو تسوية لاحقة، وهو دور يمنح صاحبه نفوذاً دبلوماسياً يفوق حجمه العسكري أو الاقتصادي المباشر. مصر، بحكم ثقلها التاريخي وعلاقاتها المتعددة الاتجاهات، تراهن على أن يكون لها مقعد على طاولة أي تسوية إقليمية شاملة، لا أن تكون مجرد طرف متفرج.
ثانياً، حماية الأمن القومي المباشر. الرسالة التي حملها السيسي - وقف الاعتداءات على الدول العربية وصون السيادة - ليست تضامنا عاطفيا بقدر ما هي تذكير مباشر بأن أي توسع للصراع في اتجاه الخليج أو البحر الأحمر يمس مصالح مصرية حيوية: الملاحة في قناة السويس، أمن الطاقة، وتدفقات العمالة والاستثمار الخليجي التي تمثل شريانا حيويا للاقتصاد المصري.
ثالثاً، تفادي كلفة الانحياز الكامل. لو اختارت القاهرة مقاطعة طهران كليا، لخسرت أي قدرة على التأثير في سلوكها، ولا نحصر دورها في التصريحات الإدانة فقط. الحفاظ على القناة يتيح لمصر أن تمارس ضغطا مباشرا، ولو محدودا، حين يتطلب الموقف ذلك.
لكن المنطق الواقعي نفسه يفرض النظر إلى الجانب الآخر من المعادلة، فالمكاسب الاستراتيجية تأتي دائما مصحوبة بكلفة سياسية:
أولاً، إشكالية التمثيل الرمزي. حتى لو لم تدّع مصر تمثيل الموقف العربي الجماعي، فإن حجمها ومكانتها التاريخية يجعلان أي لقاء رفيع تعقده مع طهران يُقرأ - شعبيا وإعلاميا - وكأنه يحمل غطاء عربيا ضمنيا، خصوصا في ظل غياب موقف عربي موحد ومعلن حيال طبيعة العلاقة مع إيران بعد الحرب. هذا يضع القاهرة أمام كلفة تفسيرية لا تتحكم فيها بالكامل.
ثانياً، فجوة بين الخطاب والفعل. الرسائل التي حملها السيسي - "حتمية وقف الاعتداءات"، "صون السيادة" - هي مطالب مشروعة، لكنها تبقى في خانة الخطاب ما لم تقترن بآليات تنفيذية أو ضمانات ملموسة. في غياب ذلك، قد يُنظر إلى اللقاء - من زاوية بعض العواصم الخليجية المتضررة مباشرة من الصواريخ الإيرانية - على أنه تطبيع في التوقيت الخطأ، أكثر منه ضغطا فعليا على طهران.
ثالثاً، حساسية التوقيت الإقليمي. الفارق بين "الاقتراب دون تطبيع" و"التطبيع الفعلي" فارق دقيق، ويصعب ضبطه إعلاميا في لحظة لا تزال فيها الدول العربية المتضررة - الخليجية والأردن - تعيش تداعيات الاعتداءات الإيرانية المباشرة على أراضيها. أي لقاء رفيع المستوى في مثل هذا التوقيت يُخاطر بأن يُقرأ من زاوية "من يتحدث لمن" أكثر مما يُقرأ من زاوية مضمون الرسالة نفسها.
من منظور المدرسة الواقعية، لا يُقاس نجاح هذه الخطوة بمعيار "الوفاء بحمل حقيبة العرب" أو عدمه، فهذا معيار مثالي لا يصمد أمام منطق الدول في إدارة مصالحها. يُقاس النجاح بمدى قدرة مصر على تحويل قناة التواصل مع طهران إلى نفوذ فعلي يخدم أمنها القومي و"أمن جوارها الإقليمي" معا، دون أن تتحول إلى عبء سياسي يُستخدم ضدها في الداخل العربي.
السيسي، في نهاية المطاف، لم "يحمل حقيبة العرب" ولم يتنكر لها، بل مارس ما تمارسه كل دولة تتعامل مع محيط مضطرب بعقلانية: ترك الباب مواربا لا مفتوحا على مصراعيه، محتفظا بخيار التراجع متى استدعت المصلحة ذلك. وهذا بالضبط جوهر الواقعية: لا حلفاء دائمون ولا أعداء دائمون، بل مصالح دائمة، تُدار بحذر يوازن بين كسب النفوذ وتفادي كلفته.

