أين المجتمع المدني من طاولة التنمية؟
الشراكة التنموية في الأردن: قراءة في غياب مكوّن المجتمع المدني عن منظومة الخطط والاستراتيجيات الوطنية
Warning: Undefined variable $RSwriter in /home/satrmedia/public_html/post.php on line 89
ملخص :
استضاف الأردن هذا الأسبوع الإطلاق الإقليمي لتقرير التنمية في العالم 2026 الصادر عن مجموعة البنك الدولي، وسط حضور رسمي رفيع وخطاب متماسك عن الاستراتيجيات والخطط التنفيذية والشراكة مع القطاع الخاص. وزير الاقتصاد الرقمي تحدث عن منظومة وطنية متكاملة، وعن سياسة واستراتيجية وخطة تنفيذية، وعن شراكات مع شركات تقنية إقليمية ودولية. ممثلا البنك الدولي ومؤسسة التمويل الدولية تحدثا بدورهما عن أهمية الاستثمار في الكفاءات والمؤسسات والبنية الرقمية، وعن دور القطاع الخاص في قيادة الاستثمار وخلق فرص العمل. لكن في كل هذا الخطاب المكثف عن "التنمية الشاملة" و"مستقبل الأردنيين"، غاب اسم واحد كان يفترض أن يكون حاضرا بقوة: المجتمع المدني.
هذا الغياب ليس عابرا، ولا هو خاص بهذه الفعالية وحدها. إنه نمط متكرر في الخطاب الحكومي الأردني حين يتحدث عن التنمية: القطاع الخاص شريك أساسي، والقطاع العام هو الراعي والمخطط، أما منظمات المجتمع المدني فتذكر، إن ذكرت، كملاحظة هامشية أو ضمن فقرة عامة عن "أصحاب المصلحة"، لا كشريك تنموي فاعل له أدوات وقدرة تنفيذية وامتداد مجتمعي لا يملكه لا القطاع الحكومي ولا الخاص.
الحجم الذي لا يمكن تجاهله
المفارقة أن هذا الغياب في الخطاب لا يعكس أي غياب في الواقع. فبحسب التقرير السنوي 2025 لمجلس الجمعيات الأهلية في الأردن، يضم القطاع غير الربحي في المملكة أكثر من 7,000 منظمة غير ربحية، منها ما يقارب 6,000 جمعية أهلية تعمل تحت مظلة 20 مجلسا فرعيا وتخصصيا ولجنة تنسيقية تابعة للمجلس. هذا رقم يفوق بأضعاف عدد الشركات الكبرى التي تُستحضر دائما كشريك تنموي أول في كل خطاب رسمي.
ولا يقتصر الأمر على العدد، بل على التنوع والانتشار الوظيفي. فدليل منظمات المجتمع المدني الصادر عن مركز الأردن الجديد للدراسات يصنف هذا القطاع إلى أربع عشرة فئة عمل مختلفة: الجمعيات الخيرية، النقابات المهنية، الروابط الثقافية، الأندية الرياضية والشبابية، منظمات حقوق الإنسان والتنمية الديمقراطية، الأحزاب السياسية، المنظمات النسائية، النقابات العمالية، منظمات أصحاب العمل، الجمعيات البيئية، جمعيات الحماية المدنية والرعاية الصحية، أندية المعلمين، المؤسسات ذات النفع العام ومراكز الدراسات، والجمعيات الأجنبية غير الحكومية.
هذا التنوع يعني أن المجتمع المدني الأردني ليس كتلة خيرية تقدم إغاثة موسمية، بل شبكة تغطي التعليم غير الرسمي، وتنمية المهارات، والتمكين الاقتصادي للمرأة، وحماية البيئة، والرعاية الصحية، والدفاع عن حقوق الفئات الأكثر هشاشة، وصولا إلى بناء السياسات العامة والرقابة عليها.
بل إن دراسات سابقة صادرة عن مؤسسة التدريب الأوروبية رصدت الدور الذي لعبته منظمات المجتمع المدني في الأردن خلال جائحة كورونا في دعم التعلم غير النظامي وتنمية المهارات وربط التدريب بفرص العمل غير الرسمي، وهو بالضبط نوع الأثر الذي يتحدث عنه تقرير التنمية في العالم حين يشير إلى رفع الإنتاجية وتوسيع الفرص الاقتصادية.
لماذا يغيب هذا الحجم عن الخطاب؟
الإجابة، جزئيا، تكمن في طبيعة العلاقة التاريخية بين الدولة والعمل الأهلي في الأردن، حيث ظل الإطار القانوني - وعلى رأسه قانون الجمعيات رقم 51 لسنة 2008 - إطارا رقابيا أكثر منه تمكينيا، يمنح الوزارة صلاحيات واسعة في الإشراف والتسجيل والحل، بما يكرّس صورة المنظمات كجهات تحتاج إلى إذن ومتابعة، لا كشريك تُستشار وتُمكَّن. وحين تُختزل العلاقة في هذا الإطار الرقابي، يصبح من الطبيعي أن يغيب المجتمع المدني عن لغة "الشراكة الاستراتيجية" التي تُخصص للقطاع الخاص والمانحين الدوليين.
كما أن منطق "الشراكة مع القطاع الخاص" أسهل تسويقا في الخطاب الرسمي: أرقام استثمار، وشركات كبرى، وتوقيع اتفاقيات، وصور بروتوكولية. أما المجتمع المدني فعمله أكثر تشظيا وتشتتا بين آلاف الجمعيات الصغيرة، وأثره أبطأ ظهورا وأصعب قياسا كميا، رغم أنه الأكثر التصاقا بالمجتمعات المحلية والفئات المهمشة التي يفترض أن تكون التنمية موجهة إليها أصلا.
الثمن الذي ندفعه
حين تُستبعد هذه الشبكة الواسعة من طاولة رسم السياسات، لا تُهدر فقط طاقتها التنفيذية، بل تُفقد التنمية أحد أهم قنوات مصداقيتها الشعبية. فالمنظمات الأهلية هي التي تصل إلى ما لا تصله الوزارات ولا الشركات: الأسر الأكثر فقرا، والقرى النائية، والشباب خارج سوق العمل الرسمي، والنساء في الاقتصاد غير المنظم. تجاهلها في صياغة استراتيجيات الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي، تحديدا، يعني تفويت فرصة استخدام هذه التقنيات لسد الفجوات التي تعمل هذه المنظمات على معالجتها يوميا.
المطلوب ليس مجرد دعوة المجتمع المدني لحضور فعاليات إطلاق التقارير، بل إشراكه فعليا في تصميم الاستراتيجيات وتنفيذها ومساءلة نتائجها، وإصلاح الإطار القانوني الذي لا يزال يعامله كملف رقابي أمني بدل أن يكون شريكا تنمويا كامل الأهلية. فالتنمية التي تُبنى بدون أكثر من سبعة آلاف منظمة تعرف تفاصيل المجتمع الأردني عن قرب، تنمية منقوصة مهما بلغت طموحاتها الرقمية.

