رجل التراث: حكاية روكس العزيزي
عاش جامعاً للحكايات قبل أن يكون كاتباً لها
ملخص :
في بيت متواضع بمادبا، عام 1903، وُلد طفل من عشيرة العزيزات المسيحية، لم يكن أحد ليتخيل أنه سيصبح بعد قرن كامل واحداً من أهم من وثّقوا ذاكرة الأردن.
توقف روكس عن الدراسة النظامية عام 1914، حين أعلنت الحرب العالمية الأولى وأغلقت مدرسته. لكن الحرب التي قطعت تعليمه لم تقطع فضوله. أحضر له والده معلمَين خاصَين للفرنسية والإنجليزية، وفي بيت العائلة كانت مكتبة صغيرة تضم الكتاب المقدس والقرآن الكريم وكليلة ودمنة وسير القديسين. تصفّح الصبي هذه الكتب حتى حفظ بعضها عن ظهر قلب، في مشهد يشبه بداية أي راوٍ كبير: طفل وحيد مع كتب، قبل أن يصبح صوتاً لأمة بأكملها.
بدأ العزيزي حياته العملية معلماً للغة العربية في مدرسة اللاتين بمادبا عام 1918. ثم انتقل ليعمل أستاذاً للأدب العربي في القدس حتى عام 1948، قبل أن يعود إلى التدريس متنقلاً بين مادبا والسلط وعمان وعجلون، في مسيرة تعليمية امتدت ست وخمسين سنة متواصلة.
لكن الفصل الدراسي لم يكن كافياً لرجل يحمل هذا القدر من الفضول. فمنذ عام 1922 بدأ الكتابة الصحفية، وأرسل أولى مقالاته النقدية عن الضرائب المفروضة على الفقراء إلى مجلة تصدر في القدس. وحين اعتمدته جريدة "الأحوال" البيروتية مراسلاً لها، صار بذلك أول مراسل صحفي في تاريخ الأردن - لقب يليق برجل قضى حياته يبحث عمّا لم يكتبه أحد قبله.
كان العزيزي جامعاً للحكايات قبل أن يكون كاتباً لها. تنقّل بين خيام البدو وقرى الريف، يسجل قصص العشائر الأردنية وأساطير الصحراء، مؤمناً بأن التراث "طفولة المجتمع وصوت الماضي، وهو عند التحقيق يصير صوت الحاضر المدوّي". من بين مؤلفاته الغزيرة، برز كتابه "أسد الإسلام وقدّيسه" عن سيرة علي بن أبي طالب، وهو كتاب طُبع مرات عدة وتُرجم إلى لغات عدة من بينها الفارسية - إنجاز نادر لكاتب أردني من جيله.
عام 1976 انتُخب رئيساً لرابطة الكتاب الأردنيين، تتويجاً لمسيرة حملت له لاحقاً وسام التربية والتعليم ووسام الصليب الأبيض، وشهادة يوبيل الملك حسين الفضي التكريمية في الأدب عام 1977. صار موضوعاً لرسالتي ماجستير ودكتوراه في الجامعتين اللبنانية واليسوعية، درستا حياته وآثاره.
توفي روكس العزيزي في عمّان بتاريخ 21 ديسمبر 2004، عن عمر ناهز 101 عاماً، ودُفن في بلدته مادبا التي بدأت منها الحكاية. لكن الرجل الذي أمضى حياته يجمع أصوات البادية والقرى لم يُترك للنسيان: أطلقت أمانة عمّان اسمه على أحد شوارعها، فصار حاضراً في خريطة العاصمة التي وثّق تراث شعبها.
قصة العزيزي، في جوهرها، ليست فقط عن رجل عاش قرناً من الزمن، بل عن أردنيّ آمن أن كل حكاية مهملة تستحق أن تُروى - وقضى حياته يثبت ذلك.

