معارض الكتب.. حين تقاوم الورقة زمن الشاشة
احتضنت بيروت أول معرض للكتاب العربي عام 1956
ملخص :
في زحمة اختزال العالم إلى فيديو من خمس عشرة ثانية، تبدو فكرة أن يقطع آلاف الناس مسافات طويلة، ويقفوا في طوابير، ليتصفّحوا كتباً ورقية، أشبه بمفارقة. لكن معارض الكتب، من عمّان إلى القاهرة إلى الرباط، أو الكويت، لا تزال تنمو لا تتراجع، وهذا يستحق التوقف عنده.
البداية من بيروت لا من فرانكفورت وحدها
عربياً، بدأت الفكرة من بيروت، التي احتضنت أول معرض عربي للكتاب في أبريل 1956، بمبادرة من نخبة ثقافية أسست قبلها "النادي الثقافي العربي". وهو أمر طبيعي بأول بلد دخلته المطبعة. أما معرض القاهرة، الذي بات اليوم الأضخم عربياً، فولد عام 1969 من رحم مناسبة وطنية: احتفال القاهرة بألفيتها، حين كلّف وزير الثقافة المصري الراحل ثروت عكاشة الكاتبة سهير القلماوي بالإشراف على أول دورة له بدأ في عام 1969، كانت القاهرة تحتفل بعيدها الألفي، فقرر وزير الثقافة آنذاك ثروت عكاشة الاحتفال بالعيد ثقافيًا، فعهد إلى الكاتبة والباحثة سهير القلماوي بالإشراف على إقامة أول معرض للكتاب. أما معرض عمّان الدولي الذي انطلقت فعالياته في 24 من سبتمبر 2026 فيعد أصغر عمراً نسبياً، وينظّمه اتحاد الناشرين الأردنيين بالتعاون مع وزارة الثقافة، وقد تجاوز عدد دور النشر المشاركة فيه الثلاثمئة وستين داراً في بعض دوراته.
عالمياً، تعود الفكرة إلى قرون أبعد، حين نشأ معرض فرانكفورت الألماني من أسواق الكتب التي رافقت اختراع الطباعة في القرن الخامس عشر، ليصبح لاحقاً النموذج الذي احتذت به المعارض الحديثة كملتقى تجاري وثقافي في آن.
اقتصاد خفي خلف رفوف الكتب
معارض الكتب ليست ترفاً ثقافياً بلا عائد. فهي، كما يشير مراقبون، تنشّط قطاعات مجاورة كالسياحة والنقل والاتصالات، وتفتح نافذة أمام الشركات الصغيرة والمتوسطة لعرض منتجاتها وخدماتها على زوار قد يتجاوز عددهم الملايين خلال أسبوعين. وبالنسبة لدور النشر نفسها، تمثل المعارض غالباً الفرصة الأكبر لتحقيق الربحية السنوية، إذ يقصدها ناشرون من دول عدة بانتظام على مدى سنوات، لأن العائد يبرر تكلفة النقل والمشاركة.
ثقافياً، تحوّلت هذه المعارض من مجرد "سوق كتب" إلى منصات متكاملة: ندوات يومية، تكريم شخصيات ثقافية، ضيوف شرف من دول مختلفة، وبرامج مخصصة للأطفال وذوي الإعاقة، إضافة إلى كونها ملتقى حيّاً بين الكاتب والقارئ لا تعوّضه الشاشة.
كيف تصمد الورقة أمام الخوارزمية؟
اللافت أن المعارض لم تقاوم التقنية بإنكارها، بل باستيعابها. بعضها بدأ يستخدم تقنيات الهولوجرام لإحياء أدباء راحلين، ونظارات الواقع الافتراضي لتقديم قصص الأطفال بصرياً، في محاولة لمخاطبة جيل نشأ على الشاشة لا الصفحة. لكن السلاح الحقيقي الذي تملكه هذه المعارض هو ما لا يمكن لأي تطبيق أن يقدّمه: التجربة الحسية للكتاب الورقي، والحضور الجسدي الذي يحوّل القراءة الفردية إلى فعل جماعي واحتفالي.
فالكتاب الصوتي والرقمي يمنحان السرعة والاختزال، لكنهما لا يمنحان "المكان" الذي يلتقي فيه القارئ بالكاتب، وبالناشر، وبقارئ آخر غريب يشاركه الرف نفسه. وفي عصر تتقلّص فيه المساحات المشتركة، ربما تكون هذه هي القيمة الحقيقية التي تُبقي المعارض حيّة: ليست بديلاً عن الشاشة، بل ملاذاً منها.

