سيكولوجيا الاغتصاب في الحروب
ملخص :
في الحقيقة، إنّ التفكير في دوافع جريمة كالاغتصاب خاصة في سياق الحروب يفتح بابا واسعا من التساؤلات حول مفهوم التعاطف الإنساني، هل هو حكر على أفراد مُعيّنين دونا عن غيرهم لعوامل بيئية أو جينية؟ أم يولد الجنود بعقلية تتبنى الشّر المطلق عند التعامل مع الاخر؟
ترى الباحثة في علم النفس والأعصاب في جامعة ديوك Lasana T Harris) ( أنّ الإنسان بطبيعته مبرمج على التفاعل مع البشر من حوله، حيث أنّ الدماغ البشري يفعّل شبكة عصبية مرتبطه بالإدراك الاجتماعي تتحوّل إلى صور وأفكار حول الحالة الذهنية للآخر.
ولكن عند التعامل مع أشخاص تلتصق بهم صفات منزوعة الإنسانية كالمتسولين، ومدمني المخدّرات، سجّلت التجارب انخفاضا ملحوظا في تشكيل هذه الروابط العصبية، بل على النقيض تماما حيث تفعلّت أجزاء دماغية مرتبطة بالاشمئزاز والسيطرة، علاوة على ذلك، وترى الباحثة أنّ نتائج هذه التجارب يمكن إسقاطها على جرائم الحروب، منوّهة أنّ الحالة النفسية المرتبطة بارتكاب جرائم ضد الإنسانية تقوم على "تشييء" الآخر، والتعامل معه كهدف عسكري مجرّدا من بشريته.
الاغتصاب كأداة للترابط بين الجنود
وفقا لدراسة بحثية نشرت على موقع (Sage Journals)، يُستخدم الاغتصاب كأداة لإثبات الولاء، عن طريق التطبيع مع أفعال العنف الجنسي على العلن ليوزّع الذنب بالتساوي بين الجنود، كما تشير النتائج إلى أنّ احتمالية حدوث الاغتصاب بشكل جماعي هي الأكثر شيوعا، باعتباره طقس لبناء الثقة وخلق القبول داخل الوحدة العسكرية تحت سياسة القطيع.
في السياق ذاته، تظهر الأرقام المتعلقة بحالات الاغتصاب الجماعي في الكونغو تفوقا بارزا على حالات الاغتصاب الفردي، في مفارقة توضّح أنّ الانتهاك يهدف لفرض السيطرة واستعراض الرجولة أمام بقية الجنود، على عكس العلاقات الجنسية القائمة على التراضي التي تتسّم بالخصوصية والحميميّة.
القهر والتفكك الاجتماعي
وفقا لتقرير أعدّته شبكة (DW) الألمانية لا يؤثر الاغتصاب على الضحية وحدها، بل أثره متعدّي من الأسرة إلى المجتمع كامل، فهو وسيلة لوصم الرّجال بالعار بسبب عدم القدرة على "حماية نسائهم من العدو"، و تشير تقارير الأمم المتحدة أنّ هذا يسبّب انهيار في المنظومة الأسرية والنفسية داخل المجتمعات المتعرضة لهذا الاعتداء.
تدفع وصمة العار الكثير من الفتيات إلى السكوت في حالة التعرض لاعتداء جنسي، وتفقد هذه الطريقة فعاليتها عندما ينتج أطفال مجهولي النّسب عن هذا الانتهاك، حيث تشكّل هذه الحالة بالذّات عبئا نفسيّا مختلفا، إذ تحمل الصدمة التي تعرضت لها الأسرة عبر أجيال قادمة و تعرّض أفرادها للنبذ والإقصاء حسب موقع (UNICEF).
نموذج ميليشيات الدعم السريع في السودان
منذ اندلاع الاشتباكات في الفاشر وما تلاها من محاولات التطهير العرقي للقبائل الأفريقية في المنطقة وجعلها وطنا حصريا للعرب، سجلت السودان أرقام وشهادات مروّعة حول حالات اغتصاب جماعي متكرّرة من قبل ميليشيا الدعم السريع، ولعل أكثر ما يثير الاهتمام في هذا النموذج هو الفكر الذي ينشأ عليه جنوده ليصلوا إلى مرحلة تمكّنهم من القيام بجرائم ضد الإنسانية دون أدنى شعور بالذنب، الّذي يتخلص بمبدأ "التفوّق العنصري"، حيث يرى الشخص نفسه متوفقا على غيره بسبب أصله العربي ويرى الآخر ككيان لا يستحق الحياة.
لا ترسّخ هذه الميليشيا فكرها بين ليلة وضحاها، بل تتعمّد تجنيد الأطفال وتغذيتهم بهذه العقلية من عمر مبكّر، إضافة إلى إجبارهم على اغتصاب الضحايا من المدنيين بشكل متكرر، و يفسّر هذا الأسلوب وصولهم إلى مرحلة التجريد من الإنسانية التي تعطّل قدرتهم على التعاطف و المنطق.
في النهاية، تظهر الحقائق أن فهم العقلية ما وراء الاغتصاب في الحروب مرتبط بواقع معقّد وغسيل أدمغة ممتد عبر سنوات طويلة، علاوة على آثاره التي تشوه المجتمعات بوتيره أسرع مما يمكن تداركه، ويبقى العالم في محاولة دائمة بين ردع الانتهاك ومعالجة مآلاته.

