ماذا تكشف عنا لحظة جلوس عابرة؟
ملخص :
نميل في كثير من الأماكن العامة إلى الجلوس على الأرصفة والحواف مسندين ظهورنا إلى جدار أو نافورة حتى في وجود مقاعد مريحة ومتوفرة في المكان حولنا، ونرى هذا المشهد بكثرة في الساحات المزدحمة والأماكن السياحية والأثرية حيث يفضل الأغلب الحواف الحجرية الباردة وتبقى المقاعد شبه فارغة.
وفي المطاعم يظهر هذا السلوك بوضوح حيث نفضل دون وعي إختيار الطاولة المنزوية والقريبة من الجدران، ونترك الطاولات المكشوفة في المنتصف كخيار أخير، وكل هذا لا يبدو كمجرد تفضيل عادي، بل نمط متكرر يكشف عن ميل نفسي عميق، وكأن عقولنا مبرمجة على البحث عن نوع محدد من الأماكن دون أن ننتبه لذلك.
نسعى أن نرى دون أن نُرى.. نظرية “المشهد - الملاذ”
في سبعينيات القرن الماضي، قام الجغرافي، جاي أپلتون، بوضع تفسير لهذا السلوك في كتابه "تجربة المناظر الطبيعية"، حيث استكشف العلاقة بين الإنسان ومحيطه، وتقوم هذه النظرية على فكرة أن الإنسان يميل إلى الأماكن التي تتيح له رؤية ما حوله بوضوح (المشهد)، مع شعوره في الوقت ذاته بالأمان من الخلف (الملاذ) مما يوازن بين المراقبة والحماية، ويمتد هذا السلوك إلى سلوك الإنسان القديم المرتبط بغريزة البقاء، حين كان يختار الاحتماء بالكهوف أو الغطاء النباتي الكثيف، مع الحفاظ على قدرة مراقبة محيطه من موقع آمن.
التفسير النفسي.. ماذا يحدث داخلنا؟
نسعى بطبيعتنا إلى البحث عن الأمان حيث لا يستطيع العقل أن يعمل براحة في ظل الشعور بالخطر لأن هذا الشعور يؤدي بشكل مباشر إلى رفع مستويات هرمونات التوتر "الكورتيزول والأدرينالين"، ما يدفع الدماغ إلى حالة من الاستنفار الدفاعي ويمنعه من الاسترخاء أو التركيز، لهذا عندما يجلس الفرد وظهره مكشوف، يبقى في حالة من اليقظة دون وعي ويشعر بالحاجة إلى مراقبة كل الاتجاهات في آنٍ واحد.
أما حين يسند ظهره إلى سطح ثابت، فإن هذا العبء يتلاشى وفي الوقت نفسه يمنحه المشهد المفتوح أمامه إحساسًا بالسيطرة والقدرة على التنبؤ بما يحدث حوله، وهكذا نعرف أن اختيار المكان ليس تفضيل عابر بل محاولة مستمرة من الدماغ للوصول إلى حالة طمأنينة ذهنية.
أختيار حر أم استجابة لتصميم.. كيف تتحكم المدن بسلوكنا؟
ماذا لو قلت لك إن الأماكن لا تكون حيوية أو فارغة بمحض الصدفة، بل نتيجة لفهم عميق لكيفية تفاعل الإنسان مع المحيط، حيث تملك المدن قدرة خفية على توجيه سلوكنا أكثر مما نتصور فقد تدفعنا إلى المشي، أو التوقف، أو حتى مغادرة المكان فقط من خلال تصميمها.
وقد نشعر بشكل مفاجئ بالضيق أو الاختناق في مكانٍ ما، أو نشعر بالألفة والانتماء في مكان آخر، دون أن ندرك السبب الحقيقي وراء ذلك، هذه المشاعر بأكملها ليست عشوائية، بل نتيجة تصميم مدروس، فهناك مختصون يعملون على تشكيل الفضاءات بطريقة تؤثر في حركة الناس وسلوكهم، مستندين إلى استجابات نفسية وغريزية يصعب على جسد الإنسان تجاهلها.
وفي سياق الجلوس على الحواف -مثلا- يعتمد هذا التأثير على عدة عناصر تصميمية: أولها سُمك الحافة إذ أنه كلما كانت عريضة ومريحة، زادت احتمالية استخدامها كمكان للجلوس لأنها تحقق شعور "الملاذ"، أما الحواف الضيقة، فغالبًا ما تُصمم لدفع الناس إلى عدم التوقف والاستمرار في الحركة أو توجههم إلى أماكن أخرى.
العنصر الثاني، يتمثل في موقع الحافة فحين تقع ضمن مسار الحركة الطبيعي للمارة، يفقد الجالس إحساسه بالراحة، لشعوره بأنه يعترض طريق الآخرين خاصةً إذا أصطدموا به فسوف يقوم بالمغادرة سريعًا.
أما العنصر الثالث، فهو الارتفاع الطفيف الذي يمنح الجالس إحساسًا أكبر بالسيطرة إذ تتيح له فرصة الرؤية الشاملة للمحيط.
ما زلنا صيادين
لم نتجاوز سلوكيات أسلافنا، حتى في عالم الأبنية الزجاجية وناطحات السحاب، ما زلنا نبحث عن الأمان ذاته الذي وجدوه في الكهوف، وعن المشهد الواسع الذي كانوا يراقبونه من أعلى الجروف، وكأن الإنسان، مهما تطور، لا يزال يحمل داخله غريزة قديمة لم تتغير.

