وجع نابلس: قصة فقد مزدوج في سجون الاحتلال
ملخص :
في مدينة نابلس، تتجسد مأساة الأسرى الفلسطينيين في قصة عائلتي عليوي وحرز الله، حيث يواجه الأسرى سياسات قاسية تصل إلى حد "الإعدام البطيء"، كما تصفها المؤسسات الحقوقية.
تبرز حكاية هاتين العائلتين كنموذج مؤلم، إذ لم يقتصر الأمر على تقاسم قيد الأسر، بل امتد ليشمل "إرث الفقد" الذي حلّ بهما مرتين في عام واحد.
فبعد مرور عام على استشهاد الأسير سميح عليوي، فجع الموت العائلة مرة أخرى بخطف الأسير مروان حرز الله، ابن شقيقته، لتتضاعف بذلك معاناة الأم سمر عليوي.
فقدان يزلزل القلوب
لم يكن الأسير مروان حرز الله يعاني من أمراض مزمنة قبل اعتقاله، باستثناء بتر في قدمه نتيجة إصابة قديمة، وفقا لما ذكره ابن شقيقه فتحي، مؤكدا أنه كان يمارس عمله بشكل طبيعي حتى لحظة اعتقاله بتهمة التحريض.
وينحدر حرز الله من مخيم العين في نابلس، حيث عاش وترعرع، وسبق له أن اعتقل خلال الانتفاضة الأولى، ليقضي نحو خمس سنوات في سجون الاحتلال.
فتحي حرز الله، الذي كان قريبا من الشهيد مروان، يستذكر عمه قائلا إنه كان يتمتع بحضور عائلي لافت وقريبا من أبناء إخوته، ما زاد من وقع الفاجعة على العائلة.
ووصف فتحي لحظة الاعتقال بالمفاجئة، مبينا أن آخر لقاء جمعهما كان قبل ساعات فقط، حين وعده مروان بالاتصال في اليوم التالي، لكن اتصالا في ساعة متأخرة من الليل أبلغه باقتحام منزل العائلة واعتقاله، ليتبين في اليوم التالي أنه نقل إلى سجن "مجدو" الإسرائيلي.
واضاف فتحي ان تلقي خبر استشهاد عمه، وهو أب لسبعة أطفال، كان صدمة قاسية وغير متوقعة، خاصة بعد تطمينات سابقة عن حالته، وأشار إلى أنه تلقى الخبر عبر الجهات الرسمية، قبل أن يضطر لإبلاغ العائلة بنفسه فجرا، في مشهد مؤلم، مشيرا إلى حالة انهيار أصابت زوجة الشهيد وأبناءه.
وبين أن العائلة لم تتسلم حتى الآن تقريرا رسميا عن سبب الوفاة، مؤكدا أنهم لا يعرفون تحديدا ما حدث، وهل كانت جلطة أم أمر آخر، مشيرا إلى أن الوضع في السجون حاليا مخيف جدا.
جراح لا تندمل
الجرح الأعمق كان لدى المسنة سمر عليوي، والدة أسامة، التي لم تتعافَ بعد من صدمة استشهاد شقيقها الأسير سميح عليوي، حتى تلقت نبأ استشهاد ابنها مروان، قائلة إن جرحها لا يزال مفتوحا ولم يلتئم بعد، فاستشهاد أخيها لم يمض عليه عام، ثم استشهد ابنها بنفس الظروف.
واضافت أم أسامة أن أكثر ما يثقل قلبها ويشغلها اليوم ليس رحيل الشهيدين، بل مصير حفيدها تحرير، نجل الشهيد مروان، الذي لا يزال معتقلا في سجون الاحتلال، ولا تعرف إن كان علم باستشهاد والده أم لا.
وفي سياق متصل، كشفت سجود، ابنة الشهيد الأسير سميح، أن والدها عانى قبل اعتقاله من أوضاع صحية معقدة، من بينها فتق في جدار المعدة وكتلة في البطن يشتبه في أنها ورم، إضافة إلى عدم التئام جرح عملية جراحية سابقة.
واوضحت أنها كان يخضع لفحوصات طبية مكثفة بشكل شبه أسبوعي، وكان ينتظر إجراء عملية جراحية، ما جعل اعتقاله في تلك المرحلة يشكل خطرا مباشرا على حياته، لكنها أكدت أن الأيام الأخيرة قبل استشهاده كانت الأكثر غموضا، إذ انقطعت أخباره بشكل مفاجئ، ولم تتمكن العائلة من الحصول على أي معلومات حول ظروفه الصحية.
وحسب سجود، فإن العائلة لم تتسلم حتى اليوم توضيحا أو تقريرا رسميا حول استشهاده، ما ترك العائلة أمام تساؤلات مفتوحة حول ما جرى داخل السجن، لكنها أضافت أن إفادات الأسرى تؤكد تعرض والدها للضرب المبرح، ما أدى إلى كسر في كتفه دون أن يتلقى أي علاج.
السجون.. مقصلة صامتة
ووفق نادي الأسير الفلسطيني، فإن استشهاد سميح عليوي وابن شقيقته مروان حرز الله يأتي في إطار منظومة متكاملة من السياسات تستهدف الأسرى الفلسطينيين بشكل ممنهج، يتجاوز حدود الحالات الفردية إلى بنية قائمة على الإيذاء والتدمير.
وقالت المتحدثة باسم النادي أماني سراحنة إن المسألة لم تعد تتعلق بحالات وفاة عارضة نتيجة ظروف الاعتقال، بل نحن أمام عملية تصفية جسدية شاملة، فالزنازين تحولت إلى مقاصل صامتة، حيث يقتل الأسير الفلسطيني عبر هندسة الموت التي تتبناها إدارة السجون تحت غطاء سياسي وقانوني رسمي إسرائيلي.
واضافت أن ما يصطلح عليه بـ"الإعدام البطيء" هو في حقيقته تتويج لعقود طويلة من سياسات الاحتلال، التي شهدت حالات إعدام ميداني مباشر داخل السجون، لافتة إلى تنوع أدوات القتل من الرصاص إلى تهيئة ظروف اعتقالية تؤدي حتما إلى تلاشي الجسد وفنائه، وحصرتها فيما يلي:
- الإعدام الميداني المباشر: توثيق حالات أُطلقت فيها النار بشكل مباشر على الأسرى داخل الزنازين أو أثناء الاعتقال، وهي سياسة تاريخية ومستمرة.
- سياسة "الإعدام البطيء": مصطلح يستخدم لوصف القتل عبر "تراكم" الظروف القاسية، وهي تتويج لعقود من التنكيل وليست مجرد إهمال عابر.
- التعذيب الجسدي والنفسي الممنهج: استخدام القوة المفرطة، الضرب المبرح، وعمليات التدمير النفسي التي تؤدي إلى انهيار الوظائف الحيوية للجسد.
- الإهمال الطبي المتعمد (المماطلة القاتلة): الحرمان من العلاج أو المماطلة في تقديمه، ما يحول الإصابات أو الأمراض إلى أسباب للوفاة.
- سياسة التجويع والحرمان: تقديم طعام رديء وبكميات ضئيلة جدا، مما يؤدي إلى ضعف المناعة والارتقاء نتيجة سوء التغذية الحاد.
- الاعتداءات الجنسية والتنكيل المهين: توثيق حالات اعتداء جنسي أدت بشكل مباشر أو غير مباشر إلى استشهاد أسرى.
- بنية السجن والظروف الاحتجازية: استخدام "هندسة سجون" تفتقر لأدنى معايير الصحة العامة مما يسرع في فناء أجساد الأسرى.
تحديات حقوقية وقصور
وتشير المتحدثة باسم النادي إلى وجود صعوبات في توثيق الجرائم داخل السجون، موضحة أن تقارير التشريح الطبي، رغم أهميتها، لا تظهر إلا العلامات الفيزيائية المباشرة التي أدت إلى الوفاة، لكنها تعجز عن توصيف "حفلات التعذيب" التي يمر بها الأسير قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة.
وكشفت المتحدثة عن ارتفاع عدد الشهداء الأسرى إلى 326 شهيدا منذ عام 1967، كان مروان آخرهم، من بينهم 89 شهيدا ارتقوا في فترة ما بعد 7 أكتوبر.
واكدت أن هذه الأرقام، رغم دقتها الموثقة، تظل اجتهادات مبنية على هويات معلومة، بينما قد تكون الأعداد الحقيقية أكبر بكثير في ظل التعتيم الإسرائيلي المطبق.
وتصف المتحدثة المرحلة الحالية بأنها المرحلة الأكثر دموية في تاريخ الحركة الأسيرة والشعب الفلسطيني، حيث تحول السجن إلى فضاء أساسي لممارسة الإبادة الجماعية وتدمير الأسرى جسديا ونفسيا.
ووفق نادي الأسير، فإن عمليات الإعدام في سجون الاحتلال سبقت قانون إعدام الأسرى الذي أقره الكنيست الإسرائيلي نهاية مارس الماضي.
ويحيي الفلسطينيون الجمعة 17 أبريل يوم الأسير الفلسطيني تحت شعار "معا ضد الإبادة والإعدام.. ومعا لإسقاط قانون إعدام الأسرى"، بينما يقبع 9600 أسير بينهم نساء وأطفال وآلاف المعتقلين إداريا في سجون الاحتلال.

