دمشق تحتضن هوية بلاد الشام برؤية ألمانية
ملخص :
في قلب دمشق، يتردد صدى التاريخ والتراث من خلال معرض فريد بعنوان "خيوط من الذاكرة". هذا المعرض ليس مجرد عرض للأزياء والأعمال اليدوية، بل هو تعبير عن هوية بلاد الشام المتجذرة في الذاكرة والوجدان. المعرض يجسد استمرارية الحضارات التي تعاقبت على هذه الأرض، من الفراعنة إلى الآشوريين والبابليين.
الباحثة والمصممة الألمانية هايكه فيبر، تستلهم من هذا التاريخ الغني لتقدم رؤيتها المعاصرة للتراث السوري. وتقدم فيبر من خلال معرضها المقام في غاليري "زوايا" في دمشق، قراءة معاصرة للتراث السوري الغني والمتنوع. ويهدف المعرض إلى تقديم الهوية السورية بصيغة معاصرة، مع ضمان ألا تنفصل عن جذورها.
وتستهل هايكه فيبر حديثها عن معرضها بالإشارة إلى أهمية المنطقة التاريخية. مبينة أن هذه المنطقة شهدت ظهور الأبجدية الأولى والديانات السماوية. واضافت أن على مر التاريخ، تعاقبت عليها الحضارات والإمبراطوريات المتصارعة. وأكدت أن المعرض هو تعبير عن استمرارية هذه المنطقة وشعوبها.
جولة في الثقافة السورية المتنوعة
ويأخذ المعرض زواره في جولة سياحية لاستكشاف الثقافات السورية المتعددة. والتي أثرت فيها عناصر حضارية ومناخية وجغرافية متنوعة. وتحاول هايكه أن تعكس هذا التعدد بتصاميمها المطرزة برسومات زخرفية منتقاة بعناية.
وتنتشر هذه الرسوم من جبال القلمون إلى سهول درعا، مرورا بالجولان المحتل والسويداء ودمشق وحمص وحلب والجزيرة السورية. وتهدف المصممة إلى رسم خريطة بصرية تعبر عن هذا التنوع الغني.
وتعتمد هايكه أسلوبين متكاملين في التصميم والتطريز. احدهما مديني بسيط التفاصيل، والآخر ريفي مكثف يعكس الهوية البصرية الغنية للأرياف السورية. فتظهر الأثواب الدمشقية بطابع زخرفي ناعم مستوحى من النقوش النباتية والتفاصيل الدقيقة ذات الامتداد المحدود.
رموز الحياة في التطريزات
ويتركز التطريز في بعض الأثواب على مناطق محددة كالصدر والأطراف. بينما تمتد التطريزات في أثواب الجنوب السوري والجزيرة على مساحات واسعة. بما يعكس الطابع الثقافي للمشروع في محاولته الإحاطة بجميع البيئات السورية.
وتقول هايكه في حديثها: "اخترت قطعا تعبر عن التراث السوري المتنوع. فالمعرض هو احتفاء بهذا التراث. هناك قطع من جميع المناطق. ونحن نقلد أو نجدد". وتضيف أن جميع التطريزات تحمل رموزا عن الحياة والموت، والتعايش بسلام، والطبيعة والكون. مشيرة إلى أن هذا موجود في تراث هذه المنطقة بأكملها سواء سوريا أو لبنان أو فلسطين.
وتشدد هايكه على ضرورة التسليم بتقاطع عناصر التراث في مناطق بلاد الشام إلى درجة التطابق. وتوضح قائلة إن اتفاقية سايكس بيكو قسمت منطقتنا، وخلقت بلدانا لا أساس لها عبر التاريخ. ولكن لغة التراث واضحة، فهذه منطقة واحدة، ولغة واحدة، وتراث واحد، وهذا المعرض احتفاء بتراث بلاد الشام بالكامل.
"عناة".. قصة حياة في دمشق
ومنذ وصولها إلى دمشق في ثمانينيات القرن الماضي، لم تنظر هايكه إلى نفسها بوصفها غريبة عن المكان. وإنما تبنت المدينة بوصفها موطنها الفعلي. فتقول ببساطة وحسم: "أنا سورية. أحسب نفسي سورية. وعشت هنا أكثر من 40 عاما".
وخلال سنواتها الأولى في البلاد، تنقلت هايكه بين القرى والمدن السورية. في رحلة تعلمت فيها كل شيء عن الأقمشة والتطريزات والغرز التي تحمل الذاكرة الاجتماعية والثقافية للبيئات السورية. ليولد مشروع "عناة" نهاية الثمانينيات.
وعملت هايكه في "عناة" على إعادة إنتاج الأزياء التقليدية. وتقديمها بصورة أكثر معاصرة بما يحفظ روحها التراثية ويمنحها القدرة على الاستمرار. وذلك بمساعدة مجموعة من النساء السوريات والفلسطينيات.
صمود رغم التحديات
ومع اندلاع الثورة السورية، فقدت هايكه معظم العاملات اللواتي كن يشكلن العمود الفقري لمشروعها. وذلك على خلفية النزوح القسري والتهجير الذي أرغم النظام السابق أهالي تلك المناطق عليه. مما ترك أثرا واضحا على "عناة" وقلص حجم إنتاجها.
ورغم ذلك لم تغادر هايكه البلاد خلال سنوات الحرب. وآثرت الصمود والدفاع عن مشروعها رغم محدودية الإمكانات وقلة اليد العاملة والانكماش الذي أصاب اقتصاد البلاد حينها. مشيرة إلى أن البقاء كان خيارا صعبا ولكنه تعبير حقيقي عما تشعر به تجاه هذه البلاد.
وعن رسالتها من معرضها الأخير ومشروع "عناة"، تقول هايكه: "لدينا رسالة للعالم. وهي إصرارنا على العيش بسلام في هذه المنطقة التي تعاقبت عليها القوى والإمبراطوريات تاريخيا. نريد العيش بسلام مع الطبيعة والكون".

