"الردع الجغرافي" سلاح إيران في مواجهة ترامب
ملخص :
كشفت معطيات استخباراتية وعسكرية أمريكية، أوردتها صحيفة "نيويورك تايمز"، أن الحرب التي تخوضها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران لم تنجح في تفكيك ما يمكن وصفه بـ "الردع الجغرافي" الذي تمتلكه طهران، إذ لا تزال الأخيرة تحتفظ بقدرات عسكرية معتبرة تمكّنها من تهديد أحد أهم الممرات البحرية العالمية، وهو مضيق هرمز.
وبحسب مسؤولين في أجهزة الاستخبارات والدوائر العسكرية الأمريكية، فإن إيران، رغم أسابيع من المواجهات العسكرية العنيفة، ما تزال تمتلك نحو 40% من طائراتها المسيّرة الهجومية، وأكثر من 60% من منصات إطلاق الصواريخ، وهي قدرات كافية لشل حركة الملاحة في المضيق الذي يمر عبره قرابة 20% من إمدادات النفط العالمية.
فشل الرهان على الردع النووي.. وصعود "ردع الجغرافيا"
وأشار التقرير إلى أن واشنطن وتل أبيب انطلقتا في عملياتهما العسكرية من فرضية أن امتلاك إيران لبرنامج نووي يشكّل تهديدًا ردعيًا يستوجب الاستباق، غير أن مجريات الحرب أظهرت أن طهران تمتلك بالفعل أداة ردع بديلة لا تقل تأثيرًا، تتمثل في موقعها الجغرافي وإمكانية التحكم بمضيق هرمز.
وفي هذا السياق، قال داني سيترينوفيتش، المسؤول السابق عن ملف إيران في الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، إن "الجميع بات يدرك أنه في حال اندلاع صراع مستقبلي، فإن إغلاق المضيق سيكون بندًا أساسيًا في العقيدة القتالية الإيرانية.. لا يمكنك هزيمة الجغرافيا".
هرمز.. ورقة ضغط لا تنضب
وفي سياق متصل، نقلت الصحيفة عن نائب رئيس مجلس الأمن الروسي، ديمتري ميدفيديف، قوله إن ما وصفه بـ "أسلحة إيران النووية" يتمثل فعليًا في مضيق هرمز، معتبرًا أن قدرته على التأثير في الاقتصاد العالمي غير محدودة، في إشارة إلى استمرار أهمية الممر البحري كورقة ضغط استراتيجية.
تضارب الروايات حول وضع المضيق
وشهدت يومي الجمعة والسبت الماضيين حالة من التضارب في التصريحات بشأن وضع المضيق؛ إذ أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن الممر الملاحي بات مفتوحًا بالكامل أمام حركة الشحن، وهي رواية دعمتها وزارة الخارجية الإيرانية لاحقًا، قبل أن يعود الجيش الإيراني ليؤكد أن المضيق لا يزال في حالة إغلاق، هذا التناقض يعكس، وفق مراقبين، استمرار حالة السيولة الميدانية والسياسية في واحدة من أكثر نقاط التوتر الاستراتيجي حساسية في العالم.
إعادة بناء القوة الإيرانية رغم الضربات
وأوردت "نيويورك تايمز" أن إيران أظهرت قدرة لافتة على إعادة ترميم جزء من قدراتها العسكرية خلال فترة قصيرة، إذ تمكنت خلال الأيام التي أعقبت وقف إطلاق النار من استخراج نحو 100 منصة إطلاق صواريخ كانت مخبأة داخل كهوف ومخابئ تحت الأرض، ما أعاد مخزونها إلى نحو 60% من مستواه قبل الحرب، وتشير تقديرات استخباراتية إلى أن طهران قد تستعيد ما يصل إلى 70% من ترسانتها الصاروخية بمجرد الانتهاء من عمليات رفع الأنقاض واستعادة المنظومات المدفونة.
الاقتصاد تحت الحصار.. والملاحة في قلب الأزمة
اقتصاديًا، أشار التقرير إلى أن الضغوط البحرية الأمريكية كان لها أثر مباشر على الاقتصاد الإيراني، حيث تمثل التجارة البحرية نحو 90% من الناتج الاقتصادي، بما يقارب 340 مليون دولار يوميًا، وقد أدى التصعيد البحري إلى توقف شبه كامل في حركة التجارة خلال الأيام الأخيرة، بعد أن بدأت البحرية الأمريكية في إجبار سفن الشحن على إعادة توجيه مسارها نحو الموانئ الإيرانية عقب عبورها المضيق.
تحولات في العقيدة الإيرانية بعد الحرب
ووفق التقرير، فإن إيران لم تبادر إلى إغلاق مضيق هرمز خلال هجمات يونيو/حزيران التي استهدفت مواقع نووية، وهو ما ربطه سيترينوفيتش بحسابات سياسية لدى المرشد الأعلى علي خامنئي، الذي كان يخشى توسيع نطاق الحرب ودخول أطراف دولية جديدة، لكن التطورات اللاحقة، بما في ذلك مقتل خامنئي في اليوم الأول من الحرب الحالية وفق ما أوردته الصحيفة، دفعت القيادة الإيرانية إلى إعادة تقييم التهديدات، في ظل ما اعتبرته توسعًا في الأهداف الأمريكية والإسرائيلية نحو تغيير النظام.
بين خسائر ميدانية وحسابات استراتيجية مفتوحة
ورغم ما تعرضت له إيران من ضربات طالت بنية القيادة، ومنشآت إنتاج عسكرية، وبعض وحداتها البحرية الكبيرة، يؤكد التقرير أن طهران ما زالت تحتفظ بخطة استراتيجية تقوم على إبقاء خصومها في حالة استنزاف وترقب دائم، مع الحفاظ على الحد الأدنى من القدرة على تهديد الممرات الحيوية، بغض النظر عن القيود المفروضة على برنامجها النووي.

