126 حالة استهداف لمعارضين خارج بلدانهم في 2026
ملخص :
حذّر تقرير حديث صادر عن منظمة "فريدوم هاوس" من تنامٍ غير مسبوق في أنماط القمع العابر للحدود، التي تلجأ إليها حكومات عدة لاستهداف معارضيها خارج أراضيها، في تطور يعكس تحولًا نوعيًا في أدوات الملاحقة السياسية، وبحسب التقرير، لم تعد الممارسات القمعية مقتصرة على الداخل، بل امتدت لتشمل الاغتيال والاختطاف والاعتداء الجسدي والتهديد المباشر في بلدان اللجوء والمنفى.
أرقام صادمة: تصاعد ملحوظ في وتيرة الانتهاكات
يوثّق التقرير، المعنون بـ "التعاون والمقاومة: رصد القمع العابر للحدود في عام 2025"، ما مجموعه 126 حادثة جديدة من "القمع المادي المباشر" خلال عام واحد فقط، ليرتفع العدد الإجمالي للحوادث المسجلة منذ عام 2014 إلى 1375 حالة، وتشير هذه الأرقام إلى منحى تصاعدي مقلق يعكس توسع نطاق هذه الظاهرة وتزايد اعتماد الحكومات عليها كأداة لإسكات الخصوم السياسيين في الخارج.
ويخلص التقرير إلى أن ما لا يقل عن 54 دولة، أي ما يزيد على ربع دول العالم، تورطت بدرجات متفاوتة في استهداف معارضين وناشطين خارج حدودها، ما يعكس انتشارًا واسعًا لهذه الممارسات على الصعيد الدولي.
بؤر جغرافية ساخنة: جنوب شرق آسيا وشرق أفريقيا في الصدارة
يكشف التقرير أن أكثر من نصف الحوادث المسجلة خلال عام 2025 تركزت في منطقتي جنوب شرق آسيا وشرق أفريقيا، حيث سُجلت 69 حادثة من أصل 126، ويعزى ذلك إلى تنامي التعاون الأمني بين حكومات هذه المناطق، سواء عبر تبادل المطلوبين أو التضييق على المعارضين المقيمين في المنفى.
في جنوب شرق آسيا، يسلّط التقرير الضوء على دور تايلند بوصفها "وسيطًا قمعيًا" يخدم مصالح دول أخرى، لا سيما الصين وفيتنام، فقد أقدمت السلطات التايلندية على ترحيل عشرات الأشخاص من أقلية "الإيغور" إلى الصين، رغم تحذيرات دولية من تعرضهم لانتهاكات جسيمة، كما تعاونت مع الأجهزة الأمنية الفيتنامية في استجواب وترحيل ناشطين من الأقليات العرقية والدينية.
تنسيق أمني مقلق في شرق أفريقيا
أما في شرق أفريقيا، فيرصد التقرير نمطًا متزايدًا من التنسيق بين كينيا وأوغندا وتنزانيا لاستهداف معارضين، خصوصًا في سياق الانتخابات والاحتجاجات السياسية، ومن أبرز الحالات، إقرار مسؤول كيني بتعاون بلاده مع السلطات الأوغندية في اختطاف معارض بارز من العاصمة نيروبي وإعادته قسرًا إلى بلده، حيث يواجه محاكمة بتهم سياسية خطيرة.
كما أشار التقرير إلى اتهامات موجهة لأجهزة أمنية تنزانية بالضلوع في عمليات اختطاف واعتداء جسدي على ناشطين معارضين في المنفى، ما يعكس نمطًا من العمل الأمني العابر للحدود يتجاوز الأطر القانونية الدولية.
الإنتربول كأداة ضغط: ثغرات قانونية واستغلال سياسي
لا يقتصر القمع العابر للحدود على الوسائل المادية، بل يمتد إلى استخدام أدوات قانونية دولية، وعلى رأسها نظام "الإنتربول"، ويبرز التقرير الاستخدام الواسع للنشرات الحمراء وطلبات التوقيف الدولية كوسيلة لملاحقة المعارضين، حتى في الحالات التي تحمل طابعًا سياسيًا واضحًا.
ورغم بعض الإصلاحات المحدودة، يشير التقرير إلى استمرار وجود ثغرات في آليات التدقيق داخل الإنتربول، ما يسمح بتمرير طلبات ذات دوافع سياسية، الأمر الذي يعرض ناشطين من دول عدة لخطر الاعتقال أو الترحيل.
استجابة دولية متزايدة... لكنها غير كافية
في المقابل، يسجل التقرير تنامي الوعي الدولي بخطورة هذه الظاهرة، حيث أصدرت جهات دولية بارزة، منها مجموعة السبع والبرلمان الأوروبي ومفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، مواقف رسمية تعتبر القمع العابر للحدود تهديدًا مباشرًا لحقوق الإنسان ولسيادة الدول.
كما أطلقت بعض الدول، مثل أستراليا وفرنسا وبريطانيا، مبادرات عملية تشمل منصات رقمية لتوعية الجاليات المهاجرة بسبل الحماية والإبلاغ عن التهديدات، غير أن التقرير يعتبر هذه الإجراءات محدودة التأثير، ولا ترقى إلى مستوى التحدي المتصاعد.
ثغرات في أنظمة اللجوء: خطر مستمر على المعارضين
يشير التقرير إلى أن قصور أنظمة الهجرة واللجوء في بعض الدول الديمقراطية يسهم في تفاقم المشكلة، إذ قد يجد المعارضون أنفسهم عرضة للاحتجاز أو الترحيل إلى بلدانهم الأصلية، حيث يواجهون نفس المخاطر التي فروا منها، ويُعد ذلك، بحسب التقرير، امتدادًا غير مباشر لأدوات القمع التي تمارسها الأنظمة الاستبدادية خارج حدودها.
توصيات حاسمة: نحو مواجهة أكثر فاعلية
يدعو التقرير الحكومات إلى اتخاذ خطوات أكثر صرامة، تشمل تبني تعريف قانوني واضح للقمع العابر للحدود، وفرض عقوبات مشددة، بما في ذلك حظر التأشيرات على المسؤولين المتورطين في هذه الانتهاكات، كما يشدد على ضرورة تعزيز الرقابة داخل الإنتربول، وتوفير حماية فعالة للمعارضين في المنفى، إضافة إلى تطوير قنوات تواصل آمنة معهم.
ويحذر التقرير من أن تجاهل هذه الظاهرة أو التعامل معها بشكل جزئي قد يؤدي إلى ترسيخها كأداة طبيعية في العلاقات الدولية، بما يشكل تهديدًا طويل الأمد للنظام الحقوقي العالمي.

