كيف تُعيد باكستان تموضعها السياسي لتعزيز مكانتها الدولية؟
ملخص :
في تحوّل لافت في تموضعها الخارجي، تسعى باكستان، التي لطالما ارتبط اسمها بأزمات داخلية متشابكة سياسيا واقتصاديا وأمنيا، إلى إعادة تقديم نفسها فاعلا دبلوماسيا قادرا على لعب أدوار مؤثرة في القضايا الدولية المعقدة، وتستند إسلام آباد في هذا المسعى إلى سياسة توازن دقيقة في علاقاتها مع القوى الكبرى، في محاولة لاقتناص موقع الوسيط المقبول في واحدة من أكثر أزمات الشرق الأوسط حساسية وتعقيدا.
تحرك دبلوماسي في لحظة إقليمية حرجة
في هذا السياق، يسلط تحليل للكاتب سعيد شاه في صحيفة "الغارديان" الضوء على الحراك الباكستاني المتسارع للاضطلاع بدور الوساطة بين الولايات المتحدة وإيران، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية، لا سيما المرتبطة بأمن الملاحة في مضيق هرمز والبرنامج النووي الإيراني.
وبحسب التحليل، تبذل باكستان جهودا مكثفة لتهيئة الأجواء السياسية لعقد جولة جديدة من المفاوضات بين واشنطن وطهران على أراضيها، انطلاقا من قناعة مفادها أن التباينات الراهنة لا تمثل انسدادا نهائيا، بل تندرج ضمن أدوات الضغط المتبادل والتكتيكات التفاوضية التي يعتمدها الطرفان.
مكاسب مزدوجة: تجنب الانخراط وتعزيز المكانة
ترى القيادة الباكستانية أن نجاح هذه الوساطة قد يحقق لها جملة من الأهداف الاستراتيجية المتداخلة، أبرزها تجنيب البلاد تداعيات الانزلاق إلى صراع إقليمي مفتوح، إلى جانب تعزيز حضورها على الساحة الدولية بوصفها شريكا موثوقا في إدارة الأزمات.
كما تراهن إسلام آباد على أن يؤدي هذا الدور إلى تحسين صورتها لدى المستثمرين الدوليين واستقطاب تدفقات مالية هي في أمسّ الحاجة إليها، في ظل الضغوط الاقتصادية المتفاقمة التي تعاني منها البلاد.
الجغرافيا السياسية كرافعة نفوذ
ويبرز التحليل أن باكستان توظف موقعها الجيوسياسي وعلاقاتها المتوازنة مع أطراف دولية وإقليمية مؤثرة، من بينها الصين والولايات المتحدة ودول الخليج، لتقديم نفسها كحلقة وصل فريدة بين قوى متنازعة يصعب جمعها على طاولة واحدة.
كما أن شبكة علاقاتها العسكرية والدبلوماسية، خاصة مع السعودية والصين، منحتها خبرة سابقة في أدوار الوساطة، سواء بشكل مباشر أو عبر قنوات غير معلنة، ما يعزز من مصداقية تحركها الحالي.
وفي هذا الإطار، يشير الكاتب إلى أن زيارة قائد الجيش الباكستاني، المشير عاصم منير، إلى طهران مؤخرا، والتي استمرت ثلاثة أيام، أسهمت في تحقيق تهدئة نسبية في بعض بؤر التوتر، بما في ذلك التوصل إلى وقف لإطلاق النار في سياقات مرتبطة بالتصعيد الإسرائيلي في لبنان، فضلا عن إحراز تقدم مؤقت بشأن ملف مضيق هرمز.
"مخرج مشرف" كمدخل للحل
تعتمد المقاربة الباكستانية، وفق التحليل، على إقناع كل من واشنطن وطهران بإمكانية التوصل إلى صيغة تحفظ ماء الوجه للطرفين، بحيث لا يظهر أي منهما في موقع المتراجع أو الخاسر سياسيا، وتستند هذه الرؤية إلى تقدير مفاده أن الطرفين، رغم تصعيد الخطاب العلني، يدركان كلفة الانزلاق إلى مواجهة شاملة، سواء من الناحية الاقتصادية أو السياسية، وهو ما يفتح نافذة محدودة أمام الحلول التفاوضية.
تحديات معقدة وضغوط زمنية
مع ذلك، لا تبدو مهمة باكستان سهلة أو مضمونة النتائج، إذ تواجه الوساطة جملة من العقبات البنيوية، في مقدمتها تعقيدات الملف النووي الإيراني، وشبكة العقوبات الدولية، فضلا عن حساسية أمن الملاحة في مضيق هرمز، الذي يمثل شريانا حيويا للاقتصاد العالمي، ويزيد من صعوبة المشهد أن أي تعثر في المفاوضات قد ينعكس سريعا على أسواق الطاقة والتجارة الدولية، ما يفرض ضغوطا زمنية إضافية على جهود الوساطة، ويقلّص هامش المناورة أمام الأطراف المعنية.
دبلوماسية تحت ضغط الأزمات الداخلية
في موازاة ذلك، تتحرك باكستان وهي تواجه تحديات اقتصادية داخلية حادة، تشمل أزمات في الطاقة، ونقصا في التمويل الخارجي، واضطرابات في البنية التحتية، ما يدفعها إلى توظيف نشاطها الدبلوماسي كأداة لتحسين موقعها الاقتصادي وتعزيز ثقة الأسواق الدولية، وتأمل إسلام آباد أن يشكل أي نجاح في هذا المسار نقطة تحول تعيد رسم صورتها كدولة قادرة على الإسهام في استقرار النظام الدولي، وليس مجرد دولة تعاني من أزمات مزمنة.
مرونة أمريكية تفتح نافذة تحرك
ورغم التحفظات الأمريكية التقليدية تجاه الدور الباكستاني في الملف الإيراني، يشير التحليل إلى أن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تنتهج مقاربة أكثر براغماتية في إدارة الملفات الخارجية، وهو ما أتاح لإسلام آباد هامشا أوسع للتحرك والمبادرة مقارنة بالمراحل السابقة.
بين فرصة تاريخية ومخاطر الانكشاف
تبدو باكستان أمام فرصة دبلوماسية نادرة قد تفضي، في حال نجاحها، إلى رفع مكانتها الدولية بشكل ملحوظ، ومنحها ثقلا سياسيا واقتصاديا يتجاوز حدودها التقليدية، غير أن هذا الرهان لا يخلو من المخاطر، إذ إن فشل الوساطة قد يسلط الضوء على محدودية نفوذها الحقيقي، ويضعف مصداقيتها الدولية، في وقت تسعى فيه جاهدة لإعادة تموضعها في نظام دولي يشهد تحولات متسارعة.

