هوس بـ "الخطوط الصفراء".. إسرائيل تفرض "خطا أصفر" فاصلا في جنوب لبنان
ملخص :
قالت إسرائيل إنها أنشأت ما وصفته بـ "خط أصفر" فاصل في جنوب لبنان بمحاذاة حدودها الشمالية، في خطوة تأتي بالتوازي مع استمرار عملياتها العسكرية في المنطقة، رغم سريان هدنة مؤقتة للحرب على لبنان لمدة عشرة أيام، ويعكس هذا التطور توجهاً إسرائيلياً لترسيخ واقع ميداني جديد على الحدود اللبنانية، يقوم على فرض منطقة عازلة أمنية بعمق يصل إلى نحو عشرة كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية، وفق ما أعلنه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو.
وبحسب التصريحات الإسرائيلية، فإن الهدف المعلن من هذه المنطقة هو حماية المستوطنات الشمالية ومنع ما تصفه تل أبيب بـ "التهديدات القادمة من جنوب لبنان".
تدمير واسع وإعادة تشكيل جغرافية الجنوب
ويواصل الجيش الإسرائيلي تنفيذ عمليات هدم ونسف ممنهجة طالت عشرات البلدات والقرى في الجنوب اللبناني، في إطار ما يصفه مراقبون بسياسة "الأرض المحروقة"، وتشير المعطيات إلى أن هذه العمليات تستهدف تفريغ المنطقة من مقومات الحياة الأساسية، بما يشمل البنية التحتية والمرافق الحيوية، بما يؤدي عملياً إلى منع عودة أكثر من مليون نازح لبناني إلى مناطقهم، وتندرج هذه الإجراءات ضمن مشروع أوسع لإعادة هندسة الواقع الجغرافي والديموغرافي في الشريط الحدودي، عبر خلق منطقة شبه خالية من السكان، تُدار أمنياً بقبضة عسكرية مشددة.
"خط الدفاع المتقدم" وإعادة تعريف الحدود
وأعلن الجيش الإسرائيلي عن نشر خريطة لما أسماه "خط الدفاع المتقدم"، الممتد من البحر المتوسط غرباً حتى الحدود الشرقية مع سوريا، وتؤكد تل أبيب أن قواتها تواصل عملياتها داخل هذه المنطقة "لتعزيز الخط الدفاعي وإزالة التهديدات"، في إشارة إلى نشاط حزب الله، وتشمل هذه المنطقة عشرات القرى الحدودية التي تعرضت لدمار واسع منذ اندلاع المواجهات في عام 2023، ما أدى إلى نزوح جماعي من البلدات القريبة من الحدود، باستثناء بعض القرى المسيحية التي رفض سكانها المغادرة رغم التحذيرات المتكررة، وتنتشر في المنطقة وحدات من قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل)، التي تجد نفسها اليوم أمام واقع ميداني معقد في ظل استمرار العمليات العسكرية.
تحذيرات إسرائيلية وواقع إنساني متدهور
وفي تطور لافت، حذّر الجيش الإسرائيلي المدنيين اللبنانيين من العودة إلى القرى الواقعة جنوب ما يسمى "خط الدفاع المتقدم"، مبرراً ذلك بوجود أنشطة لحزب الله تُعدّ، وفق الرواية الإسرائيلية، خرقاً لوقف إطلاق النار، وتشهد المنطقة الحدودية أوضاعاً إنسانية متدهورة، مع تدمير واسع للمنازل والبنى التحتية، وتحول مساحات واسعة إلى مناطق غير صالحة للسكن، ما يعمّق أزمة النزوح الداخلي في لبنان.
جذور قديمة لمفهوم المنطقة العازلة
لا يُعد هذا التوجه جديداً في الاستراتيجية الإسرائيلية، إذ سبق لتل أبيب أن سعت منذ اجتياحها للبنان عام 1978 إلى إنشاء منطقة عازلة في الجنوب، كما احتفظت خلال فترة احتلالها حتى عام 2000 بشريط حدودي بعمق وصل إلى 20 كيلومتراً، قبل انسحابها تحت ضغط المقاومة، ويبدو أن "الخط الأصفر" الحالي يمثل إعادة صياغة حديثة لذلك النموذج، لكن بوسائل عسكرية وتقنية أكثر تطوراً.
مقارنة غزة: "الخط الأصفر" بنسختين مختلفتين
في قطاع غزة، يُستخدم مصطلح "الخط الأصفر" للإشارة إلى خط فصل بين مناطق خاضعة لسيطرة حركة حماس وأخرى تسيطر عليها القوات الإسرائيلية، وتشكل أكثر من نصف مساحة القطاع بعد إعادة انتشار الجيش الإسرائيلي في إطار وقف إطلاق النار.
وقد أدى هذا الخط إلى تقسيم فعلي للقطاع، وفرض قيود مشددة على الحركة، ومنع عودة عشرات آلاف النازحين إلى منازلهم داخل المناطق الخاضعة للسيطرة العسكرية الإسرائيلية.
ويرى خبراء عسكريون أن "الخط الأصفر" في لبنان مستلهم من النموذج الغزّي من حيث الفكرة القائمة على إنشاء مناطق فصل أمنية، لكن مع اختلاف جوهري في السياق السياسي والقانوني، ففي غزة، نشأ الخط في إطار تفاهمات ووقف إطلاق النار، بينما في لبنان فُرض بشكل أحادي دون اتفاق مباشر، ما يجعله، بحسب محللين، أقرب إلى إجراء ميداني مفروض بالقوة، مع الإشارة إلى أن هذا الخط قد يتحول إلى "منطقة اشتباك مفتوح"، حيث يُنظر إلى أي حركة داخلها باعتبارها تهديداً محتملاً يبرر الاستهداف العسكري.
الموقف اللبناني: رفض واتهام بالاحتلال
على الجانب اللبناني، يؤكد الرئيس جوزيف عون أن أي مفاوضات مع إسرائيل تهدف إلى وقف الأعمال العدائية وإنهاء الاحتلال في الجنوب، في حين يرفض حزب الله بشدة فكرة التفاوض المباشر، ويتمسك بخيار المقاومة، ويعتبر الحزب أن استمرار الوجود العسكري الإسرائيلي في أي جزء من الأراضي اللبنانية يشكل احتلالاً يجب مواجهته، داعياً إلى استعادة السيادة الكاملة وعودة النازحين.
احتمالات التصعيد: بين السياسة والميدان
وفي ظل هذا المشهد المعقد، لا يستبعد مراقبون أن يتحول "الخط الأصفر" إلى نقطة اشتباك دائمة، تجمع بين الضغط السياسي والتصعيد الميداني، مع تداخل عوامل إقليمية ودولية، تشمل حسابات إيران والولايات المتحدة، كما تُطرح احتمالات تدخل سياسي خارجي لإعادة ضبط المشهد، وسط ترقب لأي تحرك قد يغيّر قواعد الاشتباك على الحدود اللبنانية الإسرائيلية.

