تقرير العفو الدولية 2026: عالم مضطرب تتراجع فيه العدالة وتتآكل فيه منظومة حقوق الإنسان
ملخص :
يأتي التقرير العالمي الصادر عن منظمة العفو الدولية لعام 2026 ليقدّم قراءة شاملة لمشهد حقوق الإنسان في العالم، في لحظة تتسم بتفاقم الأزمات الدولية، وتزايد النزاعات المسلحة، واتساع رقعة الاستبداد السياسي، وتراجع واضح في التزام الدول بالقانون الدولي الإنساني، ويرسم التقرير صورة عالمية مضطربة، تتقاطع فيها الحروب مع الأزمات الاقتصادية والمناخية، بينما تتراجع قدرة النظام الدولي على فرض المساءلة أو حماية المدنيين، في مشهد يعكس اختلالاً متزايداً في موازين العدالة الدولية.
عن التقرير
يُقيّم التقرير السنوي لمنظمة العفو الدولية، المعنون "حالة حقوق الإنسان في العالم" في نسخته لعام 2026، التطورات على المستويات الوطنية والإقليمية والعالمية المتعلقة بمجموعة واسعة من قضايا حقوق الإنسان، كما يسلّط الضوء على كيفية تقويض الدول للنظام الدولي القائم على القواعد، بما أعاق معالجة المشكلات التي تمس حياة ملايين البشر.
ويرصد التقرير كذلك الاتجاهات المرتبطة بالنزاعات المسلحة، وقمع المعارضة، والتمييز، والظلم الاقتصادي والمناخي، إضافة إلى التوقف المفاجئ للمساعدات الإنسانية وسوء استخدام التكنولوجيا، كما يوثّق المخاوف المتعلقة بحقوق الإنسان خلال عام 2025 في 144 دولة، ويربط بين القضايا العالمية والإقليمية، مقدّمًا رؤية استشرافية للتطورات المستقبلية.
أولاً: النزاعات المسلحة.. استمرار الكارثة الإنسانية وتوسع دائرة الانتهاكات
يشير التقرير إلى أن النزاعات المسلحة ما زالت تمثل المحرك الأكبر لانتهاكات حقوق الإنسان في العالم، مع استمرار الحروب في عدة مناطق دون أفق واضح للحل السياسي.
في السودان، تتواصل الحرب التي دخلت عامها الثالث، وسط انهيار شبه كامل للبنية الإنسانية، وتزايد أعداد النازحين داخلياً وخارجياً، ويؤكد التقرير أن المدنيين يتحملون العبء الأكبر من العمليات العسكرية، في ظل استخدام واسع لأساليب قتالية غير متناسبة، وغياب واضح للتمييز بين الأهداف العسكرية والمدنية.
كما يسلط الضوء على استمرار الانتهاكات في مناطق أخرى من العالم، حيث تتعرض مدن كاملة للقصف أو الحصار، ما يؤدي إلى تدمير البنية التحتية الحيوية، بما في ذلك المستشفيات والمدارس وشبكات المياه والكهرباء، في انتهاك صارخ للقانون الدولي الإنساني.
ويرى التقرير أن غياب الإرادة السياسية الدولية لفرض وقف فعّال لإطلاق النار أو محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات ساهم في إطالة أمد النزاعات وتعميق معاناة المدنيين.
ثانياً: تآكل الحريات العامة وتوسع القمع السياسي
ويرصد التقرير اتجاهاً مقلقاً يتمثل في تراجع الحريات العامة في عدد كبير من الدول، حيث تتوسع السلطات في استخدام أدوات قانونية وأمنية لتقييد حرية التعبير والتجمع وتكوين الجمعيات، وتشير منظمة العفو الدولية إلى أن العديد من الحكومات باتت تعتمد على تشريعات فضفاضة تحت مسمى "الأمن القومي" أو "مكافحة الإرهاب"، لتبرير ممارسات تشمل الاعتقال التعسفي، ومحاكمة المعارضين أمام محاكم تفتقر للضمانات العادلة، وإغلاق منظمات مجتمع مدني.
كما يلفت التقرير إلى تزايد الضغط على الصحفيين والإعلاميين، بما في ذلك الملاحقة القضائية، وحجب وسائل الإعلام، والرقابة الرقمية، الأمر الذي أدى إلى تقليص مساحات النقاش العام وإضعاف الرقابة المجتمعية على السلطة.
ثالثاً: القمع العابر للحدود.. امتداد الاستبداد خارج الجغرافيا الوطنية
من أبرز الظواهر التي يسلط عليها التقرير الضوء، تصاعد ما يُعرف بـ "القمع العابر للحدود"، حيث تلجأ بعض الدول إلى ملاحقة معارضيها ونشطاء حقوق الإنسان المقيمين في الخارج، وتتخذ هذه الممارسات أشكالاً متعددة، تشمل التهديد، والمراقبة الرقمية، والضغط على عائلات المعارضين داخل بلدانهم الأصلية، وصولاً إلى محاولات اختطاف أو ترحيل قسري في بعض الحالات.
ويحذر التقرير من أن هذه الظاهرة تمثل تهديداً مباشراً لمنظومة اللجوء السياسي، وتضعف مبدأ الحماية الدولية للأشخاص الفارين من الاضطهاد، كما تعكس توسعاً في أدوات السيطرة السياسية خارج الحدود التقليدية للدولة.
رابعاً: العدالة الدولية تحت الضغط.. إفلات متواصل من العقاب
يشير التقرير إلى أن منظومة العدالة الدولية تواجه تحديات بنيوية متزايدة، في ظل غياب التعاون الكافي من بعض الدول مع المحاكم الدولية، وتسييس آليات المساءلة في قضايا حقوق الإنسان، ورغم تسجيل بعض الخطوات المحدودة في محاسبة مرتكبي الانتهاكات في عدد من الملفات، إلا أن التقرير يؤكد أن هذه الجهود لا ترقى إلى مستوى حجم الجرائم المرتكبة، خصوصاً في النزاعات الممتدة، ويخلص إلى أن استمرار الإفلات من العقاب يرسل رسالة خطيرة مفادها أن الانتهاكات الجسيمة قد لا تواجه رادعاً حقيقياً، ما يشجع على تكرارها في نزاعات أخرى.
خامساً: المناخ وحقوق الإنسان.. أزمة عالمية مترابطة
يبرز التقرير بشكل واضح الترابط المتزايد بين التغير المناخي وأوضاع حقوق الإنسان، موضحاً أن الأزمات البيئية لم تعد مجرد تحدٍ بيئي، بل أصبحت عاملاً مباشراً في تفاقم الأزمات الإنسانية، فالجفاف، وندرة المياه، وارتفاع درجات الحرارة، وازدياد الكوارث الطبيعية، كلها عوامل تؤدي إلى تهجير السكان، وزيادة انعدام الأمن الغذائي، وارتفاع مستويات الفقر، خصوصاً في الدول الهشة.
ويحذر التقرير من أن غياب استجابة دولية عادلة وفعالة لأزمة المناخ يعمّق الفجوة بين الدول الغنية والفقيرة، ويجعل الفئات الأكثر هشاشة تتحمل العبء الأكبر من أزمة لم تكن مسؤولة عن صناعتها.
سادساً: تراجع التعددية الدولية وضعف منظومة الحوكمة العالمية
يشير التقرير إلى أن النظام الدولي متعدد الأطراف يواجه حالة من التآكل التدريجي، نتيجة تصاعد التنافس الجيوسياسي بين القوى الكبرى، وتراجع الثقة في المؤسسات الدولية، ويؤدي هذا التراجع إلى إضعاف قدرة الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية الدولية على التدخل الفعّال في الأزمات، أو فرض احترام القانون الدولي، ما يخلق فراغاً في الحوكمة العالمية.
كما يلفت إلى أن هذا الواقع يعزز منطق “القوة بدلاً من القانون”، ويقوّض الأسس التي قامت عليها منظومة حقوق الإنسان بعد الحرب العالمية الثانية.
سابعاً: المجتمع المدني في مواجهة الضغوط المتصاعدة
رغم التحديات، يشير التقرير إلى أن منظمات المجتمع المدني والمدافعين عن حقوق الإنسان ما زالوا يلعبون دوراً محورياً في توثيق الانتهاكات وكشفها، رغم ما يواجهونه من تضييق وتهديدات، ويؤكد أن استهداف هؤلاء الفاعلين يمثل مؤشراً خطيراً على تراجع المساحات الديمقراطية، لكنه في الوقت ذاته يعكس أهمية دورهم في إبقاء قضايا الحقوق والحريات حاضرة على الأجندة الدولية.
اختبار مصيري للنظام الدولي
يخلص تقرير العفو الدولية 2026 إلى أن العالم يقف أمام لحظة اختبار حقيقية، تتطلب إعادة بناء الالتزام الدولي بحقوق الإنسان، وتعزيز آليات المساءلة، واستعادة الثقة في القانون الدولي، محذرا من أن استمرار الاتجاهات الحالية قد يؤدي إلى مزيد من التدهور في أوضاع الحقوق والحريات، ما لم يتم اتخاذ خطوات جادة لإعادة الاعتبار للإنسان كقيمة مركزية في النظام الدولي، بعيداً عن الحسابات السياسية الضيقة.

