من اتفاق أوباما إلى حرب ترامب: كيف انهارت الدبلوماسية النووية وتحولت إلى مقامرة جيوسياسية مفتوحة؟
علا القارصلي
ملخص :
خاص- مثلت "خطة العمل الشاملة المشتركة" التي وقعها الرئيس الأميركي الأسبق، باراك أوباما، مع القوى الدولية وإيران أداة دبلوماسية استراتيجية سعت إلى تجميد الطموح النووي لطهران لمدة عقد من الزمن، حيث استندت المعادلة -حينذاك- إلى فرض قيود تقنية صارمة تمنع التخصيب بما يتجاوز نسبة 3.67% مع إخضاع المنشآت لرقابة دولية لصيقة وشاملة مقابل رفع تدريجي للعقوبات الاقتصادية الخانقة، ومع ذلك لم يمنح الاتفاق إيران حق التخصيب كمبدأ ثابت بل كان تنازلًا مؤقتًا أثار هواجس أمنية وجودية لدى إسرائيل نتيجة ما عُرف ببنود الغروب التي تمنح طهران أفقًا زمنيًّا للتحلل من هذه القيود، وهذا المسار الدبلوماسي هو الذي شكل المعيار الذهبي الذي يسعى دونالد ترامب الآن لتجاوزه وإثبات فشله، وهو ما مهد الطريق لقراره الجوهري بالانسحاب من هذه المنظومة الدولية بشكل أحادي.
دوافع الانسحاب الأحادي
حسب ما ورد في تقارير صحفية تحليلية، فقد دافع دونالد ترامب عن تحوله الجذري في السياسة الخارجية بوصف الاتفاق النووي السابق بأنه كارثي وأخطر تعاون أقيم مع طهران على الإطلاق، مُدعيا أن استمرار العمل ببنود ذلك الاتفاق كان سيمهد الطريق أمام إيران لامتلاك سلاح نووي قبل نحو ثلاث سنوات من الآن، معتبرًا أن الإدارة السابقة تجاهلت تمامًا خطر الصواريخ الباليستية وأنشطة الوكلاء الإقليميين التي تهدد الاستقرار، وقد أدت استراتيجية الضغط المنفرد التي انتهجتها واشنطن بدلًا من الدبلوماسية متعددة الأطراف إلى نتائج عكسية تمثلت في تسريع وتيرة البرنامج النووي الإيراني كآلية دفاعية، مما حول هذا التوتر السياسي المتصاعد إلى مواجهة عسكرية كبرى ومباشرة.
كلفة الحرب المفتوحة
حسب تحليل الخبراء، فإن المواجهة العسكرية التي اندلعت في نهاية فبراير من عام 2026 لم تحقق نصرًا حاسمًا رغم الأهداف المعلنة، إذ ظل البرنامج النووي الإيراني محميًّا ومدفونًا تحت الأرض بعيدًا عن متناول الضربات الجوية، في حين ألحقت الحرب أضرارًا فادحة بالاقتصاد العالمي وكبدت الأطراف خسائر بشرية ومادية هائلة وفق تقارير "الغارديان"، وقد منحت هذه الحرب طهران ورقة ضغط استراتيجية غير مسبوقة تتمثل في السيطرة المالية والميدانية على مضيق هرمز الذي تحول إلى شريان حياة مالي يدر مبالغ ضخمة من العملات الصعبة عبر رسوم عبور تصل إلى مليوني دولار للسفينة الواحدة، وهذا الواقع الميداني كشف عن فشل استخباراتي أمريكي في تقدير جدية التنازلات الإيرانية قبل الحرب وقدرة طهران على الصمود، وهو ما وضع ترامب في مأزق دفعه للبحث عن مخرج عبر طاولة المفاوضات.
معايير الصفقة الأفضل
يسعى ترامب في مفاوضات إسلام آباد إلى فرض معايير سياسية تقنية تتفوق تمامًا على إنجازات أوباما، حيث يطالب فريقه التفاوضي الذي يضم ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر وجي دي فانس بحظر دائم للتخصيب بدلًا من القيود الزمنية السابقة، ومعالجة مصير مخزون اليورانيوم الذي وصل إلى نحو أربعمائة وأربعين كيلوغرامًا فاصلة تسعة بنسبة 60 بالمئة، كما يسعى ترامب لانتزاع تنازلات تشمل إخراج كامل المخزون تحت إشراف أمريكي ودمج ملفي الصواريخ والسيطرة على المضيق في صفقة شاملة، ومع ذلك يواجه هذا الطموح تناقضًا صارخًا بين الرغبة في تحقيق تخصيب صفر وبين الواقع التقني الذي فرضته إيران كأمر واقع لا يمكن تجاهله أبدًا.
أزمة ترامب السياسية
حسب ما ورد في تقارير صحفية، فإن ترامب يواجه موجة عارمة من التوجس والانقسام الداخلي نتيجة اتهام فريقه بمحاولة إعادة إنتاج أوباما اثنين فاصلة صفر، وهو ما دفع ستيف ويتكوف إلى التراجع العلني عبر منصة إكس عن تصريحاته السابقة حول قبول نسبة تخصيب 3.67% تحت ضغوط الصقور المتشددين، وتتزايد المخاوف الشعبية والسياسية من استمرار استنزاف الدماء والثروات في نزاع لم يحقق أهدافه النهائية، مما وضع الإدارة في مأزق تاريخي، فإما قبول اتفاق تقني يشبه اتفاق عام 2015 وهو ما سيعتبر فشلًا ذريعًا بعد كلفة الحرب الباهظة، أو المضي في مواجهة مفتوحة تهدد مستقبله السياسي واستقرار النظام الدولي كليًّا.
مسار السلام الوعر
حسب تحليل المشهد، فإن مفاوضات إسلام آباد تظل اختبارًا معقدًا للإرادات السياسية حيث يبرز اختبار "المارشميلو" كاستعارة دقيقة لقدرة إيران على تأجيل الإشباع الفوري مقابل مكاسب استراتيجية بعيدة المدى، بينما يظل ترامب محصورًا في اختبار الذات لإثبات تفوقه الشخصي على إرث أوباما، ويتطلب عبور فجوة الثقة العميقة التوفيق بين طموحات طهران الإقليمية وبين حاجة واشنطن لصياغة انتصار دبلوماسي يحفظ ماء الوجه.

