اسعار النفط مفاجاة في الاسواق رغم التوترات
ملخص :
في مفاجأة غير متوقعة، لم تشهد أسعار النفط ارتفاعا قياسيا لتصل إلى 200 دولار للبرميل، على الرغم من التوترات الجيوسياسية المتصاعدة وإغلاق مضيق هرمز، وهو الممر المائي الحيوي لتجارة النفط العالمية. السوق العالمي أظهر مرونة وقدرة على استيعاب الصدمات، ما حال دون انفجار الأسعار الذي توقعه الكثيرون.
فمنذ اندلاع التوترات، تحركت الأسعار في نطاق متذبذب، حيث سجل خام برنت أعلى مستوياته عند نحو 119 دولارا للبرميل في نهاية مارس الماضي، ثم تراجعت في فترات التهدئة إلى ما دون 90 دولارا، بمتوسط يدور قرب 100 دولار. في المقابل، تجاوز سعر برميل النفط العربي الخفيف 140 دولارا.
وعلى الرغم من توقعات خبراء ومحللين ببلوغ سعر النفط مستويات قياسية تصل إلى 200 دولار، إلا أن هذه التوقعات لم تتحقق. واشار روري جونستون، مؤسس نشرة "كونموديتي كونتكست"، إلى أن استمرار إغلاق المضيق كان من شأنه أن يدفع الأسعار إلى مستويات أعلى بكثير.
اسباب استقرار اسعار النفط
وكشفت صحيفة وول ستريت جورنال عن تحليلات لشركة "وود ماكينزي" الاستشارية، مفادها أن وصول سعر برميل النفط إلى 200 دولار ليس مستبعدا في عام 2026.
وحذر "جي بي مورغان" في تقارير سابقة من احتمال وصول أسعار النفط إلى نطاق 150-200 دولار للبرميل في حال حدوث صدمة حادة في الإمدادات العالمية.
واضاف أن أحد أبرز أسباب كبح الأسعار تمثل في التدخل المنسق للسحب من المخزونات العالمية، حيث أعلنت وكالة الطاقة الدولية ضخ نحو 400 مليون برميل من الاحتياطي، في خطوة هدفت إلى تهدئة الأسواق وتعويض جزء من الإمدادات المفقودة.
دور الاحتياطيات ومرونة الامدادات
ولعبت احتياطيات الدول الكبرى دورا حاسما، خاصة الصين التي يقدر مخزونها بين 1.2 و1.4 مليار برميل. واعلنت اليابان سحب 80 مليون برميل من مخزوناتها من النفط لدعم استقرار الاقتصاد، ما وفر مظلة أمان مؤقتة خففت من حدة الصدمة في الأسابيع الأولى.
وساهمت عودة الإمدادات الروسية إلى الأسواق بعد قرار الولايات المتحدة إجراء تخفيف جزئي للعقوبات يتيح شراء النفط الروسي المحمل مسبقا على الناقلات في استقرار الاسعار.
يضاف إلى ذلك مرونة الصادرات الإيرانية عبر ما يعرف بـ"أسطول الظل"، في الحفاظ على تدفقات النفط إلى الأسواق وتقليص فجوة العرض. وبينت بيانات حديثة أن صادرات النفط الإيراني ما زالت تجد طريقها إلى الأسواق رغم الحصار البحري.
البدائل وتوازن السوق
ووفق رويترز، أفادت شركة فورتيكسا بأن نحو 10.7 ملايين برميل من النفط الخام الإيراني عبرت مضيق هرمز وخرجت من نطاق الحصار.
يضاف إلى ذلك استخدام مسارات بديلة لتجاوز اختناق هرمز، مثل خط شرق–غرب في السعودية بطاقة تقارب 7 ملايين برميل يوميا، وخط كركوك–جيهان من العراق إلى تركيا، مما حد من تأثير الإغلاق الكامل للمضيق.
كما لجأت بعض الدول إلى استخدام بدائل، فبحسب بلومبرغ أطلقت الصين مشروعا بارزا لتحويل الفحم إلى غاز بعد أن ظل متوقفا لأكثر من عقد، ضمن موجة استثمارات ستتيح لبكين الحد من تهديدات إمدادات الوقود.
تدمير الطلب ودور السياسة
ويقول محمد رمضان، المستشار السابق لوزير المالية الكويتي، إن "الإفراج عن الاحتياطيات الاستراتيجية ورفع القيود عن روسيا وإيران، إلى جانب بدائل التصدير، كلها عوامل لعبت أدوارا مختلفة في منع الأسعار من الوصول إلى مستويات أعلى"، مؤكدا أن هذه "حلول مؤقتة وليست دائمة".
إلى جانب العرض، برز عامل تراجع الطلب كأحد أبرز كوابح الأسعار، مع بدء الاقتصاد العالمي في التكيف مع الأزمة. ويشير المحلل عمرو الشوبكي إلى أن "تدمير الطلب بدأ بالفعل، مع إلغاء رحلات جوية وتباطؤ بعض الأنشطة الاقتصادية".
ويضيف للجزيرة نت أن العالم فقد نحو 650 مليون برميل من المخزونات، مما يعكس عمق الأزمة، لكنه يوضح أن ما يجري "لم يعد مجرد حرب عسكرية، بل تحول إلى حرب اقتصادية تتحكم فيها الأطراف عبر التأثير على الأسعار".
السوق بين الحذر والطمانينة
لعبت التصريحات السياسية، خصوصا من الرئيس الأمريكي، دورا محوريا في ضبط إيقاع السوق. فبحسب خبراء، كانت الأسواق تتفاعل مع كل إشارة تهدئة أو حديث عن مفاوضات، مما يدفع الأسعار للتراجع، مقابل ارتفاعها مع أي تصعيد ميداني.
ويقول نوار السعدي المتخصص في الاقتصاد الدولي إن "السوق كان بين الحذر والطمأنة، فكلما تجاوز النفط 110 دولارا، صدرت رسائل تهدئة تعيده إلى التسعينات"، مضيفا أن وجود مفاوضات محتملة حدّ من القفزات الحادة.
ويضيف للجزيرة نت أن الإغلاق لم يكن مفاجئا، إذ سبقه تحشيد طويل، مما أتاح للدول المستهلكة تعزيز احتياطاتها، إلى جانب استمرار وصول شحنات كانت في طريقها بالفعل خلال الأسابيع الأولى من الحرب.
كيف استوعبت السوق الصدمة؟
بشكل عام تكشف المعطيات السابقة أن السوق استوعبت الصدمة عبر مزيج من السحب من المخزونات الاستراتيجية، وضخ إمدادات بديلة من روسيا وإيران، واستخدام خطوط أنابيب ومسارات تصدير بديلة، واللجوء إلى بدائل طاقة مؤقتة، وتراجع الطلب العالمي تدريجيا، وتدخلات سياسية لتهدئة الأسواق.
وهذا خلق توازنا مؤقتا في أسواق النفط حال دون انفجار الأسعار، وفق الخبراء.
رغم هذا التوازن، يحذر الخبراء من أن السوق لا تزال في مرحلة "استنزاف تدريجي".
سيناريوهات مستقبلية
ففي حال استمرار الحرب دون تسوية، قد تبدأ المخزونات في التآكل، مما يدفع الأسعار تدريجيا نحو مستويات أعلى قد تقترب من 150 دولارا. أما في حال التهدئة أو نجاح المفاوضات، فقد تعود الأسعار إلى نطاق أكثر استقرارا، خاصة مع استمرار تدفق الإمدادات البديلة.
ويؤكد محمد رمضان المستشار السابق لوزير المالية الكويتي أن "الوصول إلى مستويات مرتفعة جدا ليس في مصلحة حتى الدول المصدرة، لأن ذلك يدفع إلى ظهور بدائل ويضر بالتوازن"، مشيرا إلى أن السعر العادل يدور بين 80 و90 دولارا.
وتكشف أزمة النفط الحالية أن الأسواق العالمية لم تعد رهينة الصدمات فقط، بل أصبحت تمتلك أدوات لامتصاصها، من الاحتياطيات إلى إدارة التوقعات. لكن هذا التوازن يبقى هشا، مما يعني أن أي تصعيد مفاجئ قد يعيد سيناريو القفزات الحادة إلى الواجهة في أي لحظة.
هنا يقول الشوبكي إن العالم بحاجة إلى فوائض إنتاجية لمدى طويل لتعويض هذه المخزونات. "نحن نتكلم عن أسعار مرتفعة ستلازم العالم لمدة لا تقل عن سنتين إلى ثلاثة سنوات".

