غزة: الاكتئاب يخيم على الناجين بين الركام والخيام
ملخص :
في خيمة متواضعة بالقرب من مدرسة مدمرة في قطاع غزة، يجلس رجاء العويضة، الخمسيني الذي يحيط به صمت عميق، ليختصر بذلك حكاية آلاف الناجين الذين لم تنتهِ معاناتهم بانتهاء القصف، بل بدأت فصول أخرى أشد قسوة في حياة النزوح.
فقد العويضة أربعة من أبنائه خلال الحرب، ولم يبقَ له سوى جسد مثقل بالجراح بعد أن فقد ساقيه، ويتكئ على ذاكرة مليئة بالخسائر، ويقول بمرارة إن الاكتئاب أصبح لغة مشتركة في غزة، فالجميع يعانون من الخيام ومن الغلاء ومن البعد عن بيوتهم، وأضاف بنبرة يمتزج فيها الغضب بالعجز أنه مصاب حرب ويحتاج للعلاج، لكن المعبر مغلق.
لم تعد المعاناة هنا مجرد دمار أو أرقام للضحايا، بل تحولت إلى جرح نفسي مفتوح يرافق الناجين في تفاصيل حياتهم اليومية، ففي خيمة لا تتجاوز مساحتها ثلاثة أمتار، تعيش رانيا أبو نصيرة مع أطفالها الستة بعد نزوح طويل من بلدة بني سهيلا شرق خان يونس.
النزوح الطويل ومعاناة الخيام
وتقول رانيا إنهم لم يتوقعوا أن يتحول النزوح المؤقت إلى سنوات، فقد كانوا يظنون أنها مسألة يوم أو يومين، لكنهم الآن في النزوح منذ ثلاث سنوات، وتصف الخيمة بأنها مساحة خانقة، حيث يتكدس أفراد الأسرة في ظروف قاسية، مما يزيد الضغط النفسي يوما بعد يوم.
واضافت بصوت حزين أنهم أصيبوا بالاكتئاب وأصبحوا عصبيين، وأن الشخص لم يعد يحتمل ابنه من كثرة الضغط، مشيرة إلى أن الحياة في الخيام تفتقر إلى أبسط مقومات الكرامة، من الماء إلى الخصوصية، في وضع يشبه العيش في الشارع.
وهذه الشهادات ليست استثناء، بل تعكس حالة عامة في قطاع غزة.
تفاقم الاضطرابات النفسية في غزة
ويوضح الأخصائي النفسي محمود عصفور أن الاضطرابات النفسية بلغت مستويات غير مسبوقة نتيجة لتداخل عوامل الحرب والفقر والنزوح.
ويشير عصفور إلى أن التحول الجذري في نمط الحياة كان له تأثير كبير، حيث انتقل السكان من حياة طبيعية إلى واقع الخيام، مما زاد من الشعور بالضغط وفقدان الأمان، ويؤكد أن الحرب لم تترك فقط دمارا ماديا، بل خلفت آثارا نفسية عميقة يصعب علاجها في ظل استمرار الظروف القاسية.
وفي غزة، لم تعد الخيام مجرد مأوى مؤقت، بل تحولت إلى مكان دائم للانتظار، انتظار نهاية حرب لم تنتهِ وعودة إلى حياة تبدو أبعد من أي وقت مضى.

