غزة: حلم العودة يراود العمال وسط الدمار والفقر
ملخص :
في غزة، ومع إطلالة يوم العمال، يواجه الفلسطينيون واقعا مرا فرضته الحرب والدمار، حيث يراقب شادي شويخ جيرانه يتنافسون على وجبات الطعام المجانية، مستعيدا ذكريات قيادته لطاقم من 60 عاملا قبل الحرب.
قبل الحرب، كان شويخ يعمل مقاول بناء متخصصا في القصارة، يدير فريقا كبيرا وينفذ مشاريع في أنحاء غزة، ويجني أرباحا طائلة، ولكن بعد مرور عامين ونصف على الحرب، لم يتبق سوى الخسائر المتراكمة، حيث استشهد تسعة من أمهر الحرفيين لديه، وأصيب آخرون بإعاقات دائمة.
لم تقتصر الخسارة على العمال فقط، فتوقفت المشاريع وانقطع مصدر الدخل، ودمر منزله في حي الشجاعية بقصف، وفقد قرابة 17 ألف دولار كان يحتفظ بها داخل شقة مستأجرة.
الفقر يخيم على غزة
منذ ذلك الحين، توقف شويخ عن العمل، ولم يتمكن من تغيير مهنته، واستنزف مدخراته، واضطر للسكن في خيمة مع عائلته المكونة من سبعة أفراد، ورغم توقفه عن العمل، يحافظ على صلته بعماله بدافع العشرة والاطمئنان عليهم.
ورغم الواقع المأساوي، يعيش شويخ على الأمل ببدء عملية إعادة إعمار القطاع قريبا، أو السماح بدخول مواد البناء، وهو ما سيوفر فرص عمل له ولعماله.
وفي يوم العمال أيضا، لا يجد الحداد جميل عرفات ما يطرقه سوى أبواب موصدة، فالرجل الذي اعتاد ترويض الحديد، فقد ورشته ومنزله معا بعد أن دمر الاحتلال بيته في حي الزيتون، لينتقل مع أسرته المكونة من 12 فردا إلى مركز إيواء.
تحديات يومية في مراكز الايواء
قبل الحرب، كان عرفات يحصل على دخل ثابت نسبيا يوفر له حدا أدنى من متطلبات معيشة أسرته، واليوم تغير هذا الواقع، فلا عمل ثابت ولا مصدر دخل منتظم، ويعتمد أحيانا على مساعدات محدودة من أشقائه أو على أعمال متفرقة غير مستقرة.
خلال الحرب، حاول عرفات البحث عن عمل بديل عبر افتتاح بسطة صغيرة لبيع بعض المواد الغذائية، إلا أن المشروع لم يستمر بسبب نقص البضائع وارتفاع أسعارها، إضافة إلى ضعف القدرة الشرائية للسكان.
وفي مركز الإيواء الذي يقيم فيه حاليا، تتزايد صعوبات الحياة اليومية، خاصة في إدارة احتياجات أسرة كبيرة ضمن موارد محدودة وغير منتظمة.
البطالة القسرية تفاقم الاوضاع
اما عبد الله حبيب، وهو أيضا عامل نزح من حي الشجاعية بعد هدم منزله، ويقيم اليوم غرب مدينة غزة مع أسرته المكونة من ثمانية أفراد، فيقول إن حياته قبل الحرب كانت تعتمد على أعمال حرة متفرقة، من بينها تعبئة أسطوانات الغاز وبيع بضائع على بسطة صغيرة، وكانت تتيح له تغطية الاحتياجات الأساسية للأسرة في حدودها الدنيا.
ومع بداية الحرب، حاول حبيب الاستمرار بالعمل عبر إنشاء بسطة صغيرة لبيع البهارات والمكسرات وبعض المواد الغذائية، إلا أن هذه الأنشطة توقفت نتيجة تراجع القدرة الشرائية وصعوبة توفير البضائع بشكل منتظم، إضافة إلى تعرضه لإصابة في كتفه.
وحاليا يعتمد حبيب على أبنائه في تأمين جزء من احتياجاته اليومية، وهم يعملون بدورهم في تعبئة وبيع المياه للنازحين مقابل دخل يومي محدود لا يتجاوز خمسة دولارات، يستخدم لتأمين الخبز وشحن الهواتف المحمولة، ويصف العامل حال أسرته ماليا ومعيشيا بـ "تحت الصفر".
من السوق الى التكية
يوسف فطوم، من حي التفاح في غزة، فقد منزله بعد تدميره ويعيش مع أسرته المكونة من ستة أفراد داخل خيمة وسط مدينة غزة.
في السابق، كان يوسف يعمل بائعا في السوق لبضائع متنوعة، يوفّر له دخلا يوميا متواضعا، وكغيره من العمال، توقف عن العمل منذ بداية الحرب، وأصبح يعتمد بشكل شبه كامل على المساعدات ووجبات تقدم عبر التكايا.
يعاني يوسف من مشاكل صحية تحد من قدرته على العمل، ويقول إن طبيعة السوق الحالية لا تسمح بالعمل بسبب عدم امتلاك رأس المال ونقص السيولة النقدية، ويقدر أن أسرته تحتاج 17 دولارا يوميا لتغطية الحد الأدنى من الاحتياجات الغذائية، ويطالب الجهات المانحة بإطلاق برامج لتشغيل العمال.
معاناة الفقد والبطالة
بعد أن كان عامل بناء محترفا يتقاضى ما لا يقل عن 35 دولارا يوميا، أصبح ممدوح محيسن، من سكان حي الشجاعية، يحصل بالكاد على قوت يومه، وقبل عام فقد منزله ويعيش في خيمة مع أسرته المكونة من أربعة أفراد.
ويقول إن الدخل الذي كان يحصل عليه قبل الحرب كان كافيا لتغطية الاحتياجات الأساسية للأسرة ويوفر حدا من الاستقرار المعيشي، وخلال الفترة الماضية، اضطر إلى بيع جزء من ممتلكاته لتغطية الاحتياجات الأساسية بعد نفاد مدخراته.
وفي يوم العمال، لم تقتصر معاناة محيسن على فقدان مصدر الدخل، بل امتدت إلى فقدان زملائه في العمل، مشيرا إلى أن ثلاثة من زملائه استشهدوا خلال الحرب، ويصف الوضع الحالي بأنه يزداد صعوبة في ظل تراجع القدرة على تأمين الاحتياجات الأساسية وغياب فرص العمل.
الانهيار الشبه كامل بالارقام
يقدم رئيس الاتحاد العام لنقابات العمال في قطاع غزة سامي العمصي قراءة معلوماتية لواقع سوق العمل خلال الحرب، ويقول إن العدوان الإسرائيلي واستهداف المنشآت الاقتصادية أدى إلى انهيار شبه كامل في البنية التشغيلية.
ووفق تقديراته، تتراوح نسبة البطالة حاليا بين 80 و85%، فيما تتجاوز نسبة الفقر بين العمال 90%، ويقدر عدد العاطلين عن العمل بنحو 400 ألف عامل، بعد أن كانت أعدادهم تتراوح قبل الحرب ما بين 180 و200 ألف عامل.
ويشير العمصي إلى أن قطاع الصيد تراجع بشكل حاد، إذ انخفض عدد الصيادين من نحو 5 آلاف قبل الحرب إلى ما يقارب 500 فقط، وفي القطاع الزراعي، يوضح أن أكثر من 95% من الأراضي الزراعية جُرفت بالكامل، وينعكس ذلك على العمالة، حيث تراجع عدد العاملين في الزراعة من نحو 35 ألفا إلى نحو ألفي عامل فقط.
الاف الشهداء من العمال
اما قطاع الإنشاءات فهو متوقف عمليا بعد أن كان يشغل نحو 40 ألف عامل، فيما يشهد قطاع الصناعات تراجعا مماثلا، بانخفاض عدد العاملين من 30 ألفا إلى ما يقارب ألفي عامل.
ويقول إن العمال يعتمدون حاليا على المساعدات المباشرة، في ظل غياب شبه كامل لفرص العمل، ويضيف أن العامل بات اليوم يعمل لساعات أطول وبأجور أقل بكثير، إن توفر العمل أصلا.
وفيما يتعلق بالخسائر البشرية، يوضح أن التقديرات الأولية تشير إلى استشهاد أكثر من 10 آلاف عامل منذ بداية الحرب، مع الإشارة إلى عدم توفر إحصائيات دقيقة بشأن أعداد المعتقلين، ولفت إلى أن العمل جار لتحديث البيانات الخاصة بالعمال الشهداء والجرحى والمعتقلين.

