السلام كفرصة استثمارية رؤية جديدة للسياسة الخارجية
ملخص :
كشفت صحيفة نيويورك تايمز في مقال لها عن تحول كبير في السياسة الخارجية الأمريكية خلال ولاية الرئيس دونالد ترامب الثانية، حيث يظهر نموذج جديد يدمج بين المصالح التجارية الخاصة والمهام السياسية العامة.
واضاف المقال ان هذا التحول يقوده جاريد كوشنر وستيفن ويتكوف، اللذان وصفهما ترامب بـ"رجاله"، ويعملان كممثلين مدنيين يتجاوزان القنوات الدبلوماسية التقليدية لإدارة صراعات دولية كبرى كالحرب في غزة وأوكرانيا والتوتر مع إيران.
وبين المقال كيف تحولت "صناعة السلام" في عهد ترامب من مهمة دبلوماسية يتولاها متخصصون إلى مشروع تجاري يديره رجال أعمال، حيث يتعامل كوشنر وويتكوف، وكلاهما مطور عقاري، مع النزاعات الدولية كأصول عقارية أو فرص استثمارية يمكن تعظيم الربح منها.
المنطق الاستثماري مقابل المبادئ السياسية
واوضح المقال ان المحرك الأساسي لمبادرات السلام الحالية ليس المبادئ السياسية التقليدية، بل "المنطق الاستثماري"، ويتجلى ذلك في رؤية كوشنر لقطاع غزة ما بعد الحرب، إذ لا ينظر إليه كقضية إنسانية أو سياسية، بل كفرصة عقارية لإنشاء "منطقة اقتصادية خاصة" متطورة تعمل بالعملات الرقمية فوق الركام.
ويمتد هذا الفكر إلى الملف الأوكراني، حيث تضمنت مقترحات الوساطة بنودا تضمن للولايات المتحدة حصة من أرباح إعادة الإعمار، مما يحول السلام إلى "أصل مالي" يتم التفاوض على عوائده.
واكد المقال أن مفهوم السلام في هذا السياق لم يعد مرتبطا فقط بوقف النزاعات، بل أصبح مشروعا اقتصاديا استثماريا، يتم فيه تصور مناطق النزاع مثل غزة كمشاريع إعادة إعمار ضخمة يمكن تحويلها إلى مناطق اقتصادية حديثة تعتمد على التكنولوجيا والعملات الرقمية والبنية التحتية الاستثمارية، بدلا من التركيز على البعد الإنساني أو السياسي للصراعات.
مجلس السلام.. كيان بصلاحيات غير واضحة
وتوقف المقال مطولا عند تأسيس "مجلس السلام"، وهو كيان شبه دولي يهدف إلى الإشراف على عمليات الوساطة وإعادة الإعمار، لكن بصيغة قانونية غير واضحة، وقد أوجده ترامب بقرار تنفيذي ليمنح أعضاءه حصانة قانونية تمنع مقاضاتهم عن أعمالهم.
واشار المقال انه من الناحية القانونية، هناك جدل حول الوضع غير التقليدي للمجلس، حيث مُنح امتيازات تشبه امتيازات المنظمات الدولية رغم أنه لا يستند إلى معاهدة دولية أو تشريع واضح من الكونغرس، مما يثير تساؤلات حول شرعيته وصلاحياته وحدود مساءلته.
وبينما يزعم ترامب أن المجلس يدعم الأمم المتحدة، فإن شعاره "المطلي بالذهب" والذي يتمركز حول الولايات المتحدة يعكس رغبة في خلق بديل موازٍ يهمش قضايا حقوق الإنسان والسيادة الوطنية مقابل التركيز على "الحوكمة والإدارة" التي تخدم التدفقات المالية.
مخاوف من تضارب المصالح
ويسلط المقال الضوء على مخاوف جدية بشأن تضارب المصالح، ويسلط الضوء على إشكالية أخلاقية وقانونية عميقة، وهي أن هؤلاء المبعوثين لا يتقاضون رواتب حكومية، مما يحررهم من قيود الإفصاح المالي الصارمة، كما أن شركاتهم الخاصة مستمرة في جمع مليارات الدولارات من نفس الدول التي يتفاوضون معها.
وعرض المقال نماذج تاريخية لرجال أعمال لعبوا أدوارا في الوساطة الدولية، مثل أندرو كارنيغي الذي أسهم في دعم مؤسسات السلام الدولي، لكن المقال ميز بين ذلك النموذج الذي ارتبط ببناء مؤسسات قانونية، وبين النموذج الحالي الذي يربط السلام بالعوائد المالية وإعادة الإعمار كمصدر ربح.
وفي ختام التحليل، اكد المقال أن هذا النموذج الجديد من "دبلوماسية رجال الأعمال" لم يحقق نتائج مستقرة حتى الآن، لأن المفاوضات في غزة وأوكرانيا متعثرة، والمحادثات مع إيران لم تؤدِّ إلى اتفاق حاسم، في حين تستمر التوترات الإقليمية وارتفاع أسعار الطاقة.
وفي الوقت نفسه، تحقق بعض الأطراف المشاركة مكاسب مالية متزايدة، مما يعزز فكرة أن السلام في هذا السياق لم يعد مجرد هدف سياسي، بل أصبح أيضا نشاطا اقتصاديا قائما بذاته، رغم أن نتائجه على الأرض لا تزال محدودة وهشة.
والخلاصة أن "النموذج الربحي للسلام" نجح في تحقيق مكاسب للمفاوضين والمستثمرين، لكنه فشل حتى الآن في إنهاء الحروب أو تقديم استقرار حقيقي للشعوب المتضررة.

