خفايا التخابر في غزة: دوافع تتجاوز الفقر
ملخص :
دراسة جديدة تسلط الضوء على عالم التخابر في غزة، حيث تتشابك الدوافع وتتعدد الأسباب التي تدفع البعض للتعاون مع الاحتلال. بينت الدراسة الصادرة عن مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات أن الأمر لا يتعلق فقط بالجريمة، بل بظروف أوسع تتضمن الحرب والضغط المجتمعي.
واظهرت الدراسة أن الفرد قد يتحول إلى أداة ضد مجتمعه تحت ظروف معينة، وأن التخابر المعاصر لم يعد مجرد نقل معلومات، بل هو اندماج جزئي في منظومة العدو.
واكدت الدراسة أن الفاعل الفردي يصبح جزءا من عملية أكبر، حيث تتقاطع الإرادات وتتداخل الأدوار، موضحة أن تعريف التخابر يتجاوز المعنى الشائع للتجسس، فهو علاقة تواصل واع ومقصود بين شخص وجهة معادية.
الدوافع الخفية وراء التخابر
وشددت الدراسة على أن التخابر يهدف إلى تمكين الجهة المعادية من تحقيق أهدافها أو الإضرار بالمجتمع الذي ينتمي إليه الشخص، وأن التعريف لا يقف عند الفعل الظاهر، بل يتجاوزه إلى القصد والاستمرارية والتداخل مع مشروع الطرف الآخر.
وافادت الدراسة أن التخابر ليس مجرد فعل يقع وينتهي، بل هو دور يمارس ويعاد إنتاجه داخل شبكة من العلاقات، وأن الحرب الأخيرة على غزة دفعت هذا الدور إلى مستويات أكثر خطورة.
وكشفت الدراسة عن أن التخابر لم يعد محصورًا في تزويد الاحتلال بمعلومات عامة، بل انتقل إلى المشاركة الميدانية، حيث يسهم المتخابر في تحديد الأهداف ورصد التحركات وتوجيه الضربات بشكل غير مباشر.
واوضحت الدراسة أن السؤال الأكثر إلحاحًا ليس ماذا يفعل المتخابر، بل كيف يصل إلى هذه النقطة، وأن التخابر لا ينشأ من سبب واحد، بل من تفاعل معقد بين ضغوط اقتصادية وهشاشة نفسية وظروف اجتماعية وآليات استقطاب منظمة.
وبينت الدراسة أن الفقر والبطالة يفتحان الباب أمام الإغراء، ويجعلان العرض الذي يقدمه الاحتلال يبدو كفرصة في بيئة تضيق فيها الخيارات، وأن المال في كثير من الحالات لا يعمل كسبب كاف، بل كبوابة أولى.
واشارت الدراسة إلى أن هناك أفرادا لا يدفعهم العوز وحده، بل يدخلون في علاقة تبادلية مع الجهة المعادية، يقدرون فيها ما سيحصلون عليه مقابل ما يقدمونه، وأن التخابر يتحول من استجابة لحاجة إلى ما يشبه الصفقة.
تأثير التخابر على النسيج الاجتماعي
واضافت الدراسة أن الفرد لا يرى نفسه منساقًا بقدر ما يرى نفسه فاعلًا يختار، حتى لو كان اختياره محكومًا بظروف ضاغطة، وأن بعض حالات التخابر تقوم على حسابات عقلانية، لا على انكسار أخلاقي مفاجئ.
واكدت الدراسة على أهمية العوامل النفسية، فالإحباط والشعور بالعجز والرغبة في الانتقام يمكن أن تتحول إلى أرضية خصبة لعملية الاستقطاب، وأن الفرد الذي يشعر بأنه مهمش أو مقهور قد يجد في العلاقة مع الجهة المعادية شكلًا من أشكال التعويض.
واوضحت الدراسة أن التفكك الأسري وضعف الروابط والشعور بالعزلة كلها عوامل تقلل من مناعة الفرد، وتجعل اختراقه أكثر سهولة، وأن ضعف الوعي يخلق فراغًا يمكن أن تملأه روايات مضللة.
وكشفت الدراسة عن نماذج ميدانية للمجموعات التي عملت مع الاحتلال داخل قطاع غزة، وأن التخابر لم يعد سلوكًا فرديًا، بل بنية عمل منظمة، ففي جنوب قطاع غزة، وتحديدًا في رفح، تبرز مجموعة يُشار إليها بالرمز (ك.ش)، ويقدَّر عدد عناصرها بنحو ثلاثمئة شخص.
وبينت الدراسة أن المجموعة قامت بإنشاء نقطة اتصال ميدانية استخدمت كمركز لرصد التحركات ومتابعة النشاط داخل المنطقة، وأن المجموعة في جنوب خان يونس، وضمن نطاق يمتد إلى مناطق خزاعة وعبسان والقرارة، تُعرف بالرمز (ج.أ)، ويبلغ عدد عناصرها نحو أربعين مسلحًا.
واوضحت الدراسة أن المجموعة انخرطت في العمل الاستخباراتي الميداني المباشر، حيث تولت جمع المعلومات من داخل البيئة المحلية ونقلها ومتابعة تحركات الأشخاص داخل المنطقة بشكل مستمر.
مواجهة التخابر تتطلب بناء مناعة اجتماعية
واشارت الدراسة إلى أن المجموعة التي تحمل الرمز (ر.ج) تعمل في نطاق يرتبط بالمناطق الشرقية والحدودية، وأن المجموعة التي يُشار إليها بالرمز (أ.م) تعمل داخل مناطق ذات كثافة سكانية مرتفعة.
واكدت الدراسة على أنه إذا كان التخابر في ظاهره يهدد الأمن عبر المعلومات أو المشاركة في العمليات، فإن أثره الأعمق يتجلى في ما يفعله بالنسيج الاجتماعي، فوجود احتمال دائم للاختراق يولد حالة من الشك ويضعف الثقة بين الأفراد.
واوضحت الدراسة أنه في بيئة كهذه، لا يقتصر الضرر على الخسائر المباشرة، بل يمتد إلى القدرة على التماسك، وأن مواجهة التخابر تتطلب بناء مناعة اجتماعية وتعزيز الوعي وإعادة ترميم الروابط التي تجعل الفرد أقل قابلية للتحول إلى أداة.
وخلصت الدراسة إلى أن المعركة لا تخاض فقط على مستوى الأمن، بل على مستوى المعنى أيضًا: كيف يرى الفرد نفسه، وإلى أي جماعة ينتمي، وما الذي يعتبره حدًا لا يمكن تجاوزه.

