غزة: حكايات يرويها معبر رفح المغلق
ملخص :
في غزة، تتلاشى الآمال على أعتاب معبر رفح، حيث تتحول البشارة بإمكانية العلاج إلى سراب للمرضى الذين لا يجدون منفذاً للعالم الخارجي. الشاب بلال المبحوح، الذي كان يحلم باستعادة بصره، وجد نفسه يفقد عينه اليمنى تدريجياً بسبب تأخر العلاج، واليوم يتشبث بأمل إنقاذ عينه اليسرى.
وتعود قصة بلال إلى مارس حين أصيب أثناء تحييد ذخائر في مخيم جباليا، حيث تسبب انفجار في تلف وجهه وأذنيه. ومنذ ذلك الحين، حصل على تحويلة طبية، لكنه ينتظر دوره في قائمة طويلة لا يبدو أنها ستحين قريباً. وأضاف بلال "أصبحت بحاجة لمن يساعدني في كل شيء، أنا شاب وكان يفترض أن أكون في عز قوتي لأؤمن مستقبل أطفالي".
وما يعيشه بلال ليس إلا جزءاً من مشهد أوسع يضم آلاف المرضى العالقين بين الحياة والموت، ينتظرون فرصة للخروج للعلاج. فهو واحد من آلاف المرضى الذين يحملون تحويلات طبية جاهزة ويترقبون فرصة للخروج للعلاج.
المعاناة تتفاقم في غزة
وقال رئيس وحدة المعلومات في وزارة الصحة، زاهر الوحيدي، إن من بين هؤلاء المرضى حالات إنقاذ حياة يفترض إجلاؤهم فوراً، وحالات طارئة يتدهور وضعها الصحي مع كل يوم يتعثر فيه السفر. وأضاف الوحيدي أن "أي يوم تأخير قد يكون الأخير".
و هذا الانتظار القاتل راح ضحيته العديد من المرضى، من بينهم مرضى سرطان لا تتوفر لهم علاجات داخل القطاع. ورغم الاتفاق على السماح بخروج عدد معين من المرضى يومياً، فإن عدد من تمكنوا من المغادرة قليل جداً مقارنة بالعدد المطلوب.
ورغم الاتفاق مع سلطات الاحتلال الإسرائيلي على السماح بخروج عدد من المرضى يوميا. فإن عدد من تمكنوا من المغادرة منذ فبراير الماضي لا يتجاوز نسبة قليلة جدا من الحد الأدنى المتفق عليه.
أحلام معلقة على بوابة رفح
ولم يكن الانتظار عند بوابة معبر رفح ينهش أجساد المرضى وحدهم، فثمة طابور آخر لا يقل وجعاً، يُقاس فيه الفقد بعمر علمي يتآكل، وبفرص تضيع من طلاب وباحثين يشاهدون أحلامهم وهي تتلاشى. من بين هؤلاء الدكتور مؤيد إسماعيل، الذي كان ينتظر فتح الطريق ليكمل مشروعه العلمي.
وكان هدف مؤيد تطوير قدرات التشخيص والعلاج داخل قطاع غزة، لكن هذا المسار توقف تماماً عند المعبر. فقد خسر بسبب إغلاقه فرصاً متتالية لمتابعة دراسة الدكتوراه في الخارج. وفي الفرصة الخامسة، حين حصل على قبول أكاديمي في جامعة كندية، تحوّل القبول إلى سباق مرهق مع الزمن.
وعن ذلك، قال مؤيد "تلقيت تحذيرات من الجامعة بإمكانية خسارة مقعدي الأكاديمي بسبب تأخري عن السفر، وفي كل مرة كنت أطلب تمديد المهلة، لكن الطريق إليها لم يُفتح". ووصف هذا النوع من الانتظار بأنه "محبط ومربك".
تشتت الأسر وتأجيل اللقاء
ومثلما ينعكس إغلاق المعبر على مستقبل الباحثين والطلبة، فإنه يترك أثراً أعمق على بنية الأسرة نفسها، إذ تتسع في غزة فجوة التشتت العائلي، فيما يتحول اللقاء إلى وعد مؤجل لا يعرف أحد متى سيحين.
في هذا المشهد، تقف قصة الصحفي عاصم النبيه بوصفها نموذجاً صارخاً لهذا الانقسام المكاني، فهو يعيش في غزة، بينما زوجته وطفلاه خارجها. ولم يتخيل أن يتحول شوقه إلى ابنته "فرات" إلى أمنية بلمس شعرها.
كان عاصم قد سبق عائلته إلى غزة قبل الحرب بشهرين، بعد إنهاء دراسته العليا في الخارج، على أمل أن يهيئ الظروف ثم يلحقهم به لاحقاً. لكن اندلاع الحرب أغلق هذا الاحتمال، ومع ذلك اختار البقاء، متمسكاً بوجوده في القطاع.
تداعيات إغلاق المعبر
كما امتد أثر إغلاق المعبر ليعيد تشكيل العلاقات الأسرية ذاتها، إذ سجلت في محاكم غزة حالات تباعد بين الأزواج انتهت إلى انفصال فعلي أو طلاق، بفعل اختلاف المسارات والرغبات.
وبحسب تصريح هيئة المعابر، فقد أغلق معبر رفح منذ أكتوبر وأعيد فتحه بشكل متقطع حتى وقف إطلاق النار. وكان فتحه الأخير في فبراير، ومنذ ذلك الحين غادر عدد قليل من المرضى ومرافقيهم.
وتشير البيانات إلى أن المعدل اليومي لخروج المرضى حتى الأسبوع الأخير بلغ نحو عدد قليل يوميا، باستثناء يومي الجمعة والسبت، حيث يتوقف العمل في المعبر. أما قبل الحرب، فكان يجتازه عدد كبير من المسافرين يوميا من مختلف الفئات.

