غزة تحت الحصار المستمر: أهداف جديدة وأشكال متغيرة
ملخص :
على الرغم من مرور أكثر من نصف عام على إعلان وقف إطلاق النار، لم يتوقف نزيف الدم الفلسطيني في قطاع غزة. فما زال الجيش الإسرائيلي يقصف القطاع بطائراته ومدافعه بوتيرة شبه يومية. مع توسيعه المستمر لما يسميه "الخط الأصفر". في حين يرزح الغزيون تحت وطأة أزمات إنسانية ومعيشية خانقة. مما يدلل على أن الحرب لم تتوقف بل تغيرت أشكالها وأهدافها.
ومنذ دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، قتلت إسرائيل أعدادا كبيرة من الفلسطينيين في غزة وأصابت الكثيرين وفقا لبيانات وزارة الصحة في القطاع.
وكان مفترضا أن يشهد القطاع بموجب الاتفاق انفراجة على الصعيد الإنساني والمعيشي. ولكن إسرائيل تواصل التلكؤ والمماطلة في تنفيذ التزاماتها التي نص عليها الاتفاق. في حين يرى فلسطينيون أنها تمارس سياسة ممنهجة في "هندسة الحصار" لا رفعه.
الحصار يخنق غزة
وعن السياسات الإسرائيلية المطبقة في غزة، قال وكيل وزارة الاقتصاد في القطاع إن إسرائيل تستخدم الحصار أداة لتعذيب سكان غزة. وتتحكم تماما في تفاصيل الحياة. مما يخلق واقعا اقتصاديا مشوها يسهم في تعميق الأزمات الإنسانية المتراكمة.
وأوضح أن إسرائيل تعمد إلى تكريس الاحتكار عبر حصر الإدخال المقيد للسلع بعدد محدود من التجار. مما أفرز حالة من الارتفاع الفاحش لأسعار كثير من البضائع نتيجة ندرة العرض مقابل زيادة الطلب.
واضاف ليس لدينا كسلطات محلية سيطرة على آليات إدخال السلع والبضائع. ونحن مضطرون للتعامل مع هذا الواقع الصعب في ظل التحكم الإسرائيلي الكامل.
قيود على المساعدات
وأشار إلى أن السياسة الإسرائيلية أدت إلى هشاشة في المخزون السلعي من المواد الغذائية والأساسية. مبينا أن إغلاق المعابر يوما واحدا يتسبب في ارتفاع مباشر للأسعار.
وبحسب مسؤولين، فإن البروتوكول الإنساني المرفق باتفاق وقف إطلاق النار نص على إدخال عدد كبير من الشاحنات يوميا ما بين مساعدات ومواد تجارية. موضحا أن ما تسمح إسرائيل بإدخاله لا يتجاوز نصف هذا العدد في أفضل الأحوال.
وفي السياق، قال المكتب الإعلامي الحكومي في غزة إن إسرائيل مستمرة في الإخلال بالتزاماتها الإنسانية. وعدم إدخال الاحتياجات الأساسية من مواد الإيواء والمستلزمات الطبية والمعدات الثقيلة والوقود. إلى جانب تعطيل إعادة تشغيل البنية التحتية الحيوية.
استهداف الاستقرار
أما على الأرض، فقد كثف الجيش الإسرائيلي استهدافه لأفراد الشرطة في غزة. إذ أقر أخيرا بقتل عدد منهم. زاعما تورطهم في التخطيط لهجمات وشيكة. دون تقديم دليل على تخطيطهم لأي هجوم.
ومع ذلك، يرى محللون فلسطينيون أن الضربات المستهدفة هي جزء من إستراتيجية أوسع للحفاظ على حالة الحرب وتقويض الاتفاق الذي توسطت فيه الولايات المتحدة.
وقال المحلل السياسي إن إسرائيل تستهدف قوات الشرطة للقضاء على أي إمكانية لاستعادة الاستقرار ودفع القطاع نحو الفوضى الداخلية.
توسيع السيطرة
واضاف المحلل السياسي أن إسرائيل تريد جعل البيئة غير صالحة للعيش. مما يجبر السكان على السعي للنزوح. وهو ما يخدم الهدف الإستراتيجي لهذه الحرب.
وبالتزامن مع ذلك، يسرع الجيش الإسرائيلي من وتيرة تحركاته غربي غزة. موسعا ما يسميه "الخط الأصفر" الذي يحدد المناطق الخاضعة للسيطرة العسكرية الإسرائيلية.
وأشار المحلل السياسي إلى أن إسرائيل أضافت مساحات كبيرة إلى المناطق الخاضعة لسيطرتها. مما يعني أنها تسيطر الآن على نحو نسبة كبيرة من إجمالي مساحة القطاع. وهو ما أدى إلى تقسيم الأراضي وتقييد حرية الحركة بشكل حاد.
تعطيل اللجنة الوطنية
يتزامن التصعيد العسكري وتضييق الخناق على دخول المساعدات مع الشلل الفعلي للجنة الوطنية لإدارة غزة التي أسست بموجب اتفاق السلام.
وبينما صورت واشنطن اللجنة المكونة من عدد من الأعضاء بأنها خارطة طريق لإعادة الإعمار والازدهار. يرى المحللون أن اللجنة قد أفرغت من دورها وعزلتها إسرائيل لمنعها من العمل على الأرض.
وكانت تقارير صحفية قد ذكرت، في وقت سابق، أن إسرائيل ترفض السماح لأعضاء لجنة التكنوقراط الفلسطينية بدخول قطاع غزة.
عرقلة الحياة السياسية
وأوضح المحللون أنه من الصعب فصل عمل اللجنة عن تقديم الخدمات للمواطنين. ومن الصعب فصل خدمة المواطنين عن الجهاز الأمني ووجود الاحتلال. مضيفا أن الانتقال الحقيقي يتطلب انسحابا إسرائيليا من المناطق التي تسيطر عليها. وهو ما لم يحدث.
ويرى الخبراء أن إسرائيل تمنع عمدا دخول لجنة التكنوقراط الفلسطينية إلى غزة للحيلولة دون عودة أي حياة سياسية أو مدنية إلى القطاع. بهدف الحفاظ على الوضع الراهن المتمثل في الاحتلال العسكري غير المحدود.
ومع منع إسرائيل دخول اللجنة الوطنية إلى قطاع غزة، تواصل المليشيات المسلحة المتعاونة مع الجيش الإسرائيلي شن هجماتها على المناطق السكنية الملاصقة لما يسمى "الخط الأصفر". وتتخذ من مناطق على امتداد المناطق الشرقية للقطاع مقرات لتمركزها بحماية الجيش.
استدامة الصراع
ويرى المراقبون أن التحركات الأخيرة للمليشيات المسلحة أصبحت عنصرا مركزيا في إستراتيجية الاحتلال للتحكم الداخلي. إذ توظف لتنفيذ عمليات وجمع معلومات وخلق حالة من عدم الاستقرار النفسي والاجتماعي.
وأوضح المراقبون أنه يمكن النظر إلى الخط الأصفر بوصفه منطقة وسيطة بين السيطرة العسكرية الإسرائيلية المباشرة وأنماط السيطرة غير المباشرة القائمة على إدارة المجال الأمني عن بعد.
تربط إسرائيل دخول المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار بنزع سلاح حركة المقاومة الإسلامية (حماس). وهو ما يرى الباحثون أنه لا ينطلق من اعتبارات أمنية بحتة. بل من هدف سياسي إسرائيلي أوسع. يتمثل في تفريغ قطاع غزة من السلاح الخفيف لخلق حالة من الفوضى الداخلية.
شروط غامضة
وخلص الباحثون إلى أن المرحلة الثانية تزعج إسرائيل لأنها تحمل أبعادا سياسية تتجاوز المقاربة الأمنية والإنسانية التي اعتادت فرضها على قطاع غزة. وتشمل الانسحاب وفتح المعابر والشروع في الإعمار. مما يفسر المماطلة الإسرائيلية.
وقالت حماس إنها لن تنزع سلاحها حتى تتوقف القوات الإسرائيلية عن احتلال الأراضي الفلسطينية.
وأشار المحللون إلى أن إسرائيل نجحت في استخدام خطاب السلام الشامل غطاء لمواصلة عملياتها العسكرية مع المطالبة بـ"نزع السلاح". وهو شرط وصفه بأنه ذريعة غامضة وغير واقعية.
ومع استمرار التوغل الإسرائيلي جغرافيا وتقلص مساحة الأمل إنسانيا، يبدو أن قطاع غزة لم يخرج فعليا من أتون الحرب. بل دخل في طور جديد من "الصراع المستدام" الذي تستخدم فيه لقمة العيش وتفاصيل الإدارة المدنية أدوات للضغط السياسي.
فبين وعود بتأسيس عهد من الازدهار، وواقع الأرض الذي يشي بضم عسكري مقنع وشلل إداري متعمد، يجد الفلسطينيون أنفسهم أمام سيادة ناقصة وهدنة هشة تنتهك يوميا.

