غزة: جراح الصحافة تنزف أملا في العلاج
ملخص :
بين ركام الذكريات وآلام الجراح، يطل يوم حرية الصحافة على صحفيي غزة، الذين يصارعون للبقاء على قيد الأمل، بينما أجسادهم تحمل ندوب الحرب وآثارها. المصور الصحفي محمد فايق أبو مصطفى يقضي شهره الثامن على سرير المرض في مجمع ناصر الطبي بخان يونس، شاهدا على استهداف مباشر طال الصحفيين، مخلفا وراءه شهداء وجرحى.
تسببت الشظايا التي استقرت في جسد أبو مصطفى بشلل في أطرافه السفلية، وحالته الصحية تتطلب تدخلا عاجلا لاستكمال العلاج خارج القطاع، بعد سلسلة من العمليات الجراحية التي خضع لها. ويعيش الصحفيون الفلسطينيون المصابون ظروفا صحية ونفسية قاسية، نتيجة للصواريخ التي أعاقت عودتهم إلى العمل الميداني، حيث تشير الإحصائيات إلى استشهاد وإصابة المئات من الصحفيين منذ أكتوبر الماضي.
وتشير معطيات نقابة الصحفيين الفلسطينين إلى استمرار اعتقال عدد من الصحفيين في سجون الاحتلال، ما يزيد من حجم التحديات التي تواجه هذه الفئة. ووسط هذه المعاناة، يبقى الأمل في العلاج والعودة إلى ممارسة المهنة هو الدافع الذي يدفع هؤلاء الصحفيين إلى الأمام.
أمل معلق بين الركام والجراح
يسترجع أبو مصطفى تفاصيل إصابته التي وقعت أثناء تغطيته الميدانية بالقرب من مستشفى ناصر. وبين، أنه بعد الاستهداف الأول، هرع إلى الطابق العلوي لتوثيق ما يحدث لزملائه.
واضاف، قائلا "لم تمر سوى لحظات حتى وقع الاستهداف الثاني بشكل مفاجئ، بعدها ساد صمت رهيب، ولم أعد أعي ما حدث، وتحول المكان إلى مشهد من الدمار والجثث، ووجدت نفسي بينها غير قادر على الحركة، فيما كانت يدي اليمنى هي الوحيدة التي أستطيع تحريكها". وبين، انه بدأ يرفع يده وينادي بصوت خافت بأنه ما زال على قيد الحياة، ليتمكن المسعفون من إنقاذه.
وبين، انه بقي قرابة 10 دقائق تحت الركام والجثث قبل أن يتم إنقاذه، حيث أصيب بشظايا في أنحاء متفرقة من جسده، بما في ذلك الرأس والبطن، إضافة إلى كسور في فقرات الظهر، وما زال بعضها مستقرا في جسده لصعوبة استخراجها.
رحلة علاج مضنية
خضع أبو مصطفى لعملية جراحية استغرقت حوالي 8 ساعات، وقضى قرابة 20 يوما في العناية المركزة في ظروف صحية صعبة. واوضح، انه مكث في قسم الحروق نحو 3 أشهر، وخضع خلالها لـ7 عمليات جراحية.
واشار، إلى أن إحدى الإصابات كانت في اليد اليسرى، حيث تهشم العظم بالكامل وتم تركيب صفائح معدنية، ووصلت نسبة العجز فيها إلى 70%، كما خضع لعمليات معقدة شملت نقل أنسجة من الساق إلى البطن والظهر، إضافة إلى عمليات في الأمعاء. وبين، ان حالته صنفت كشلل نصفي في الأطراف السفلية، وما زالت حالته مهددة بالتدهور ما لم يستكمل العلاج المناسب خارج القطاع.
ويعيش المصور أبو مصطفى في المستشفى منذ إصابته، ويتلقى العلاج والتأهيل بانتظار فرصة للسفر إلى الخارج لإجراء عمليات متقدمة، خاصة زراعة العظام. واكد، انه كان يعمل مصورا مع عدة وكالات، لكن الإصابة حرمته من ممارسة عمله، ومع ذلك ما زال متمسكا بالأمل في استكمال علاجه والعودة إلى حياته.
ذكريات مؤلمة وآمال معلقة
في مكان اخر، يقف المصور الصحفي المصاب محمد القهوجي على أنقاض منزله المدمر في غزة، متذكرا تفاصيل إصابته التي كادت تودي بحياته. وبين، انه يعاني من إصابة بالغة منذ يناير الماضي، والتي فقد فيها زميليه حمزة الدحدوح ومصطفى أبو ثريا.
وتظهر آثار الإصابة على جسده، حيث يعاني من كسور في فكيه وتهتك في يده. ويروي القهوجي تفاصيل الحادثة قائلا: "كنا نوثق عملية انتشال جثامين شهداء شمال رفح، وبعد أن صعدنا إلى السيارة مباشرة، تعرضنا لاستهداف بصاروخ سقط بالقرب منا بشكل مفاجئ، لم نتوقع أن نكون هدفا، فطبيعة عملنا تقتصر على التوثيق".
واكد، انهم واصلوا السير بعدما نجوا بأعجوبة، لكن بعد نحو كيلومترين، وقع الانفجار الثاني الذي استهدف السيارة بشكل مباشر، ووضعني المسعفون فوق جثمان الزميل حمزة الدحدوح، ظنا أنني فارقت الحياة، قبل أن يتبين لهم وجود علامات حياة. وأشار إلى أنه خضع للعلاج في العناية المركزة لفترة طويلة بعدما أصيب بكسر شديد في الفكين العلوي والسفلي، إلى جانب جرح انفجاري كبير في الوجه.
اصرار على الحياة رغم الجراح
وتابع القهوجي، انه تم تثبيت صفائح معدنية (بلاتين) في وجهه، ولم تتوقف الإصابات عند هذا الحد، فقد أصيبت يده اليمنى بأضرار في الأوتار والمفصل، مع بتر إصبع، كما تعرض لإصابة في فقرات الظهر تسببت في خدر بالأطراف السفلية. ولفت إلى أنه خضع لأكثر من 25 عملية جراحية منذ إصابته، ولا يزال ينتظر فرصة للسفر لاستكمال العلاج في الخارج.
وعن حياته اليومية، قال القهوجي، ان بيته دُمر، والإصابة في يده اليمنى أثرت بشكل مباشر على قدرته على العمل، خاصة أنه يعتمد عليها بشكل أساسي. ورغم كل هذه التحديات، يبقى الأمل في استعادة الحياة الطبيعية هو الدافع الذي يحركه.

