غموض يلف مستقبل غزة: هل تلوح في الأفق حرب جديدة؟
ملخص :
يشهد قطاع غزة تطورات متسارعة تنذر بتصعيد خطير، فبعد مرور ما يزيد على مئتي يوم على اتفاق وقف إطلاق النار، تلوح في الأفق بوادر استئناف العمليات العسكرية الإسرائيلية، وسط حالة من التوتر وتصاعد الاتهامات المتبادلة بين حركة حماس وإسرائيل.
بينما تتهم حركة المقاومة الإسلامية (حماس) إسرائيل بخرق اتفاق التهدئة وتصعيد وتيرة الغارات والاغتيالات، يثور تساؤل ملح حول الدوافع الحقيقية وراء هذا التلويح الإسرائيلي، وما إذا كانت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب ستمنح الضوء الأخضر لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو للعودة إلى نقطة الصفر.
وفي خضم هذه الأجواء المشحونة، تتصاعد المخاوف من انهيار الهدنة الهشة، وانزلاق القطاع مجددا إلى أتون حرب مدمرة، خاصة مع تعثر استكمال مراحل الاتفاق وتزايد الخلافات بين الطرفين.
استراتيجية اسرائيلية تثير القلق
ويرى الخبير في الشؤون الإسرائيلية مهند مصطفى أن التصعيد الإسرائيلي الحالي ليس مجرد رد فعل ظرفي، بل هو جزء من "مخطط مبيت" تم الإعداد له مسبقا، ويهدف إلى تحقيق أهداف استراتيجية بعيدة المدى.
واضاف مصطفى أن إسرائيل تعتمد سياسة تقوم على "أمننة" قطاع غزة، من خلال ترسيخ وجودها العسكري في المناطق التي تحتلها، وتحويل ما يسمى "الخط الأصفر" إلى حدود دفاعية حصينة، مما يرسخ سيطرتها على أجزاء واسعة من القطاع.
وبين مصطفى أن الهدف الأساسي من عرقلة عمل اللجنة الوطنية المكلفة بإدارة غزة هو إبقاء حركة حماس في صورة العدو الظاهر، لتبرير أي عمل عسكري مستقبلي، فضلا عن خدمة "الحسابات الانتخابية" لنتنياهو، الذي يسعى لتحقيق وعوده بنزع سلاح الحركة قبل الانتخابات القادمة.
عقبة نزع السلاح
في المقابل، يرى المسؤول السابق في الخارجية الأمريكية توماس واريك أن "عقدة نزع السلاح" تمثل العقبة الأكبر أمام تحقيق أي تقدم حقيقي في ملف التهدئة، وعودة الأمور إلى نصابها.
وقال واريك إن رفض حماس الالتزام بخطة ترمب وقرار الأمم المتحدة رقم 2803 يعيق جهود السلام، موضحا أن دولا كانت مرشحة للمشاركة في "قوة استقرار دولية" تراجعت عن ذلك قبل ضمان نزع سلاح حماس وتأمين حرية حركة الجنود، مع إقراره باستهداف إسرائيل لأفراد الشرطة المحلية، مما يعقد عملية نقل السلطة.
واكد المحلل السياسي الفلسطيني إياد القرا أن إسرائيل لم تلتزم بأي بند من بنود الاتفاق، سواء في ما يتعلق بملف المساعدات الإنسانية أو معبر رفح، مشيرا إلى أن الفصائل الفلسطينية قدمت "تعهدات مكتوبة" للوسطاء بتسليم كافة مهام الحكم للجنة الوطنية، إلا أن إسرائيل تمنع وصولها وتستهدف الكوادر الشرطية لتقويض أي استقرار مدني.
موقف ترمب يثير التساؤلات
وفيما يتعلق بإمكانية عودة الحرب في ظل إدارة ترمب، تتضارب التقديرات، فبينما يرى مصطفى أن ترمب قد يمنع نتنياهو من شن حرب جديدة لإفساح المجال للدبلوماسية الإقليمية، يرى القرا أن تصريحات ترمب الأخيرة تمثل دعما ضمنيا لنتنياهو.
واضاف القرا إلى تصريحات ترمب التي طالب فيها بضرورة العفو عن نتنياهو، مشيرا إلى أن إسرائيل بحاجة إلى رئيس وزراء يركز على "الحرب لا الأمور التافهة"، على حد تعبيره، مما يعكس دعما واضحا لنهج نتنياهو المتشدد.
وكشف واريك عن تحول في الأولويات، حيث أصبحت غزة في "المرتبة الثانية" من حيث الأهمية لدى واشنطن وتل أبيب، اللتين تركزان جهودهما على ملفي إيران ولبنان، مما يثير مخاوف من تهميش القضية الفلسطينية.
وفي الختام، يبقى استئناف الحرب خيارا مطروحا كأداة ضغط إسرائيلية، ما لم يفرض المجتمع الدولي والوسطاء انتقالا فعليا من "المنطق الأمني" الذي يفرضه الاحتلال إلى "المنطق السياسي" الذي تطلبه الإدارة المدنية لقطاع غزة، لإنقاذ القطاع من كارثة إنسانية محققة.

