مشروع قانون إسرائيلي لإلغاء اتفاقية "أوسلو".. فما التفاصيل؟
ملخص :
يتجاوز التصعيد الذي تشهده الساحة السياسية الإسرائيلية حدود الخطاب السياسي والإعلامي، مع انتقال الدعوات اليمينية لإسقاط اتفاقية "أوسلو" إلى مستوى التحرك التشريعي الرسمي داخل الكنيست الإسرائيلي، ويبرز في هذا السياق مشروع قانون يهدف إلى إلغاء اتفاقية أوسلو وجميع الاتفاقات والتفاهمات الموقعة بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الفلسطينية، في خطوة تحمل أبعادا سياسية وأمنية وقانونية واسعة، قد تعيد رسم المشهد في الضفة الغربية والقدس المحتلة بصورة جذرية.
ورغم أن رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، طلب تأجيل مناقشة المشروع داخل اللجنة الوزارية للتشريع بدعوى الحاجة إلى "دراسة متأنية"، فإن ذلك لم يُفهم باعتباره اعتراضا على جوهر القانون، بقدر ما عُد محاولة لإدارة توقيت طرحه وتداعياته السياسية والدبلوماسية.
ويقود اليمين المتطرف داخل الائتلاف الحكومي، وعلى رأسه وزير الأمن القومي، إيتمار بن غفير، حملة مكثفة لدفع مشروع القانون نحو الإقرار، مستفيدا من المناخ السياسي والأمني الذي أعقب أحداث السابع من أكتوبر/تشرين الأول، والذي عزز نفوذ التيارات الداعية إلى إنهاء أي مسار سياسي مع الفلسطينيين.
ما هي اتفاقية أوسلو؟
تُعرف اتفاقية أوسلو رسميا باسم "إعلان المبادئ بشأن ترتيبات الحكم الذاتي الانتقالي"، وقد وُقعت في واشنطن عام 1993 بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل، برعاية أمريكية.
وكان الهدف المعلن للاتفاق إنهاء الصراع الفلسطيني الإسرائيلي عبر مرحلة انتقالية تمتد لخمس سنوات، تمهيدا للتوصل إلى تسوية نهائية تقود إلى إقامة دولة فلسطينية مستقلة، وأسفرت الاتفاقية عن تأسيس السلطة الفلسطينية كجسم إداري وسياسي يدير شؤون الفلسطينيين في أجزاء من الضفة الغربية وقطاع غزة، كما جرى لاحقا، بموجب اتفاقية "أوسلو 2" الموقعة عام 1995، تقسيم الضفة الغربية إلى ثلاث مناطق:
- المنطقة (أ): تخضع لسيطرة فلسطينية مدنية وأمنية كاملة.
- المنطقة (ب): إدارة مدنية فلسطينية مع سيطرة أمنية إسرائيلية.
- المنطقة (ج): تخضع للسيطرة الإسرائيلية الكاملة وتشكل نحو 60% من مساحة الضفة الغربية.
ورغم الانتقادات الفلسطينية الواسعة للاتفاقية، فإنها شكلت الإطار القانوني والسياسي الناظم للعلاقة بين الجانبين طوال العقود الثلاثة الماضية.
مشروع القانون.. العودة إلى ما قبل 1993
ويقترح مشروع القانون، الذي قدمته عضو الكنيست، ليمور سون هار ميليخ، من حزب "قوة يهودية"، اعتبار جميع الاتفاقيات الموقعة مع منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الفلسطينية غير ملزمة لدولة إسرائيل، كما ينص المشروع على إلغاء جميع التشريعات والقوانين التي أُقرت لتنفيذ اتفاقيات أوسلو، بما يعني عمليا إعادة الوضع القانوني والأمني في الضفة الغربية إلى ما كان عليه قبل عام 1993، وبحسب هذا التصور، ستتعامل إسرائيل مع الضفة الغربية باعتبارها منطقة خاضعة مباشرة للحكم العسكري الإسرائيلي، دون وجود أي شريك سياسي أو إداري فلسطيني معترف به.
وقالت ليمور سون هار ميليخ إن اتفاقيات أوسلو بعثت برسالة ضعف إلى العدو، معتبرة أن منح الفلسطينيين الأرض والسلاح والصلاحيات الأمنية كان خطأ تاريخيا، على حد وصفها، ودعت إلى استعادة إسرائيل المسؤولية الكاملة عن الأمن والسيادة.
اليمين الإسرائيلي واستثمار ما بعد 7 أكتوبر
يرى اليمين الإسرائيلي المتطرف أن الظروف السياسية والأمنية الحالية توفر فرصة تاريخية لتصفية اتفاقية أوسلو بصورة نهائية، ويقود وزير الأمن القومي، إيتمار بن غفير، هذا التوجه، معتبرا أن الاتفاقية كانت كارثة استراتيجية، وأن الوقت حان لإنهاء آثارها القانونية والسياسية.
اليمين الإسرائيلي: أوسلو انتهت ويجب دفنها قانونيا
وتعكس مواقف قيادات اليمين الإسرائيلي أن التوجه نحو إسقاط اتفاقية أوسلو لم يعد مجرد طرح هامشي، بل أصبح جزءا من مشروع سياسي متكامل يسعى إلى إعادة تعريف العلاقة مع الفلسطينيين على أساس الهيمنة الأمنية والسيادة الإسرائيلية الكاملة، وفي هذا السياق، أكد وزير العدل الإسرائيلي، ياريف ليفين، رغم تأييده تأجيل مناقشة القانون، أنه لا يعارض المشروع من حيث المبدأ، بل يعتزم العمل على تمريره مستقبلا، قائلا إن العودة إلى مستوطنة "صانور" شمالي الضفة الغربية ليست سوى بداية، مضيفا أن إسرائيل ستعود إلى أماكن أخرى، في إشارة تعكس اتجاها متصاعدا داخل اليمين الإسرائيلي نحو توسيع الاستيطان وفرض وقائع جديدة على الأرض.
ويستند هذا المعسكر إلى عدة أهداف رئيسية:
- توسيع الاستيطان: إلغاء الاتفاقية يعني إزالة القيود السياسية والقانونية التي كانت تحد، ولو شكليا، من التوسع الاستيطاني داخل المنطقتين (أ) و(ب)، بما يسمح بتوسيع السيطرة الإسرائيلية على مزيد من الأراضي الفلسطينية.
- تكريس الضم الفعلي: يسعى اليمين الإسرائيلي إلى تحويل الضفة الغربية من أرض متنازع عليها إلى منطقة خاضعة بالكامل للسيادة الإسرائيلية، عبر خطوات تدريجية تبدأ بإلغاء أوسلو وتنتهي بإعلان الضم الرسمي.
- إسقاط فكرة الدولة الفلسطينية: يمثل المشروع، بالنسبة لليمين الإسرائيلي، أداة لتصفية أي إمكانية مستقبلية لإقامة دولة فلسطينية، عبر تفكيك الأساس القانوني والسياسي الذي تستند إليه السلطة الفلسطينية، وقال بن غفير، في تصريحات نقلتها صحيفة "يسرائيل هيوم"، إن الجميع بات يدرك حماقة اتفاقية أوسلو، متهما السلطة الفلسطينية بدعم الإرهاب والتحريض عليه، وفق تعبيره.
تداعيات مباشرة على السلطة الفلسطينية
في حال إقرار القانون، فإن السلطة الفلسطينية ستفقد، من وجهة النظر الإسرائيلية، صفتها كشريك تعاقدي معترف به، لتتحول إلى كيان فاقد للشرعية القانونية والسياسية، وأبرزها:
- انهيار التنسيق الأمني: سيمنح إلغاء الاتفاقية الجيش الإسرائيلي غطاء قانونيا للتحرك داخل مناطق السلطة الفلسطينية دون أي التزام بالتنسيق الأمني القائم حاليا، كما سيُنظر إلى الأجهزة الأمنية الفلسطينية باعتبارها كيانات غير شرعية، وقد تُصنف الأسلحة الموجودة بحوزتها كأسلحة غير قانونية.
- استهداف مالي ومؤسساتي: قد تفتح الخطوة الباب أمام تشديد الإجراءات الاقتصادية ضد السلطة الفلسطينية، بما في ذلك مصادرة أموال المقاصة بشكل كامل، وإغلاق المؤسسات الرسمية الفلسطينية أو تقييد عملها، كما قد يجري التعامل مع مؤسسات السلطة ضمن تصنيفات أمنية جديدة تتيح لإسرائيل ملاحقتها قانونيا وماليا.
الفلسطينيون أمام واقع الاحتلال المباشر
ويحذر مراقبون من أن إلغاء أوسلو لن يبقى محصورا في الإطار القانوني، بل سينعكس مباشرة على الحياة اليومية للفلسطينيين، وخاصة في:
- عودة الإدارة العسكرية: سيجد الفلسطينيون أنفسهم مجددا أمام "الإدارة المدنية" التابعة للجيش الإسرائيلي في مختلف تفاصيل حياتهم، بما يشمل تصاريح الحركة والسفر والعمل وإصدار الوثائق الرسمية، ما يعني عمليا انهيار أي مظهر من مظاهر الحكم الذاتي الفلسطيني.
- تسارع الاستيطان ومصادرة الأراضي: من المتوقع أن تتوسع عمليات الاستيطان بصورة غير مسبوقة، خصوصا في المناطق المصنفة سابقا ضمن المنطقتين (أ) و(ب)، اللتين كانتا تُعتبران خارج نطاق المشاريع الاستيطانية المباشرة.
- القدس وسياسات التهجير: يرى فلسطينيون أن إسقاط أوسلو سيمنح الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة مساحة أكبر لتسريع عمليات تهويد القدس، وتعميق عزلها عن محيطها الفلسطيني، إلى جانب تصعيد الضغوط الاقتصادية والأمنية الهادفة إلى دفع السكان نحو الهجرة القسرية.
تحذيرات فلسطينية من "تطهير عرقي"
بالتوازي مع الدفع نحو إلغاء أوسلو، تواصل قوات الاحتلال الإسرائيلي عمليات الاستيلاء على الأراضي في الضفة الغربية وتوسيع المشاريع الاستيطانية، ووصف رئيس المجلس الوطني الفلسطيني، روحي فتوح، هذه الإجراءات بأنها جريمة تطهير عرقي تندرج ضمن جرائم الحرب المتواصلة التي ترتكبها إسرائيل بحق الفلسطينيين، معتبرا أن السياسات الإسرائيلية تهدف إلى فرض وقائع استعمارية بالقوة، عبر تهجير السكان الفلسطينيين وتقويض وجودهم الجغرافي والديمغرافي في الأراضي المحتلة، داعيا المجتمع الدولي إلى مراجعة مواقفه تجاه إسرائيل، واتخاذ خطوات عملية ورادعة لوقف الانتهاكات الإسرائيلية، والتعامل مع إسرائيل باعتبارها "دولة فصل عنصري" تنتهك القانون الدولي بصورة ممنهجة.
سيناريوهات اليوم التالي
تتراوح التقديرات بشأن تداعيات إلغاء اتفاقية أوسلو بين الانهيار المؤسساتي والتصعيد الأمني واسع النطاق، ويمكن استقراء السيناريوهات التالية:
- الضم التدريجي للضفة: قد تبدأ إسرائيل بإعلان السيادة على الكتل الاستيطانية الكبرى، قبل الانتقال تدريجيا إلى فرض السيادة على أجزاء أوسع من الضفة الغربية، مع تحويل المدن الفلسطينية إلى مناطق معزولة ومجزأة.
- انتفاضة فلسطينية جديدة: يرجح مراقبون أن يؤدي غياب أي أفق سياسي، إلى جانب انهيار الخدمات والمؤسسات الفلسطينية، إلى اندلاع موجة مواجهة واسعة أو انتفاضة فلسطينية جديدة.
- بدائل السلطة الفلسطينية: قد تتجه إسرائيل إلى إعادة إحياء نماذج "روابط القرى" أو تشكيل إدارات محلية وعشائرية تتولى الشؤون المدنية للسكان، بينما تبقى السيطرة الأمنية الكاملة بيد الجيش الإسرائيلي.
- التهجير الصامت: يحذر فلسطينيون من أن المرحلة المقبلة قد تشهد تصعيدا في سياسات هدم المنازل، وتوسيع المستوطنات، وفرض الحصار الاقتصادي، بما يخلق بيئة طاردة للسكان الفلسطينيين ويدفعهم إلى الهجرة القسرية بصورة تدريجية.

