ما الذي قالته لنا أول مباراة أردنية في كأس العالم؟
ملخص :
كتب - مجد منصور
أحيانًا لا يكون السؤال بعد المباراة: لماذا خسرنا؟.. أحيانًا يكون السؤال الأهم: هل فهمنا أصلًا أين نقف؟
لأن ما حدث مع المنتخب الوطني في كأس العالم لا يمكن اختصاره بنتيجة أمام النمسا، ولا يجوز أن يتحول إلى موجة خيبة، أو سخرية، أو جلد ذات جماعي، وكأن الأردن ذهب إلى البطولة بصفته مرشحًا لحمل الكأس ثم عاد بلا شيء.
الأردن لم يذهب إلى كأس العالم ليُثبت أنه أكبر من تاريخه الكروي في ليلة واحدة.. الأردن ذهب لأنه كسر حاجزًا كان يبدو لسنوات طويلة أكبر من قدرته.. ذهب لأن هذا الجيل من اللاعبين فعل ما لم يكن سهلًا: جعل القميص الأردني حاضرًا في أكبر مسرح كروي في العالم.
وهنا، بالنسبة لي، تبدأ القصة.
الإنجاز الحقيقي لم يبدأ مع صافرة البداية أمام النمسا، ولم ينته مع صافرة النهاية، الإنجاز الحقيقي بدأ قبل ذلك بكثير، في طريق التصفيات، في المباريات التي بنَت الثقة، وفي اللحظة التي اكتشف فيها الأردنيون أن الحلم لم يعد جملة نرددها كل أربع سنوات، بل احتمالًا حقيقيًا يمكن الوصول إليه.
أن تصل إلى كأس العالم لأول مرة، فهذا ليس تفصيلًا، هذا ليس خبرًا رياضيًا عابرًا، هذا انتقال في الوعي، انتقال من سؤال: "هل نستطيع؟" إلى سؤال جديد: "ماذا سنفعل بعد أن استطعنا؟".. وهذا السؤال هو الأهم الآن.
نعم، خسرنا أول مباراة. نعم، كان ممكنًا أن تكون النتيجة مختلفة. نعم، هناك أخطاء، وهناك تفاصيل فنية، وهناك لحظات لو تغيّرت لربما تغيّر كل شيء، لكن هل هذا يعني أن نكسر اللحظة؟ هل يعني أن نحاسب اللاعبين وكأنهم أضاعوا حلمًا، بينما هم أصلًا من حملونا إليه؟
المشكلة في علاقتنا مع اللحظات الوطنية أننا أحيانًا نريد منها كل شيء دفعة واحدة.. نريد التأهل، ثم الفوز، ثم الأداء المثالي، ثم النتيجة الكبيرة، ثم القصة الخالية من الألم.. نريد أن ندخل التاريخ دون أن ندفع ثمن الدخول.. نريد أن تتحول الخطوة الأولى فورًا إلى قفزة نهائية.. لكن الأحلام الكبيرة لا تعمل بهذه الطريقة.
كل شيء يبدأ بخطوة صغيرة، وكل جيل يصنع شيئًا للجيل الذي بعده، هناك لاعبون سابقون بنوا شخصية، وهناك تجارب قديمة صنعت ذاكرة، وهناك بطولات جعلت اسم "النشامى" يتراكم في وجدان الناس، ثم جاء هذا الجيل، فرفع السقف.. لم يقل فقط إن الأردن يستطيع أن ينافس في آسيا أو يحرج الكبار أو يقترب.. قال شيئًا أكبر: الأردن يستطيع أن يكون هناك.. وهذه الجملة وحدها تكفي لتغيير خيال طفل يشاهد المباراة من بيته في عمّان أو إربد أو الكرك أو معان أو الزرقاء.
قبل هذه المشاركة، كان حلم كأس العالم بالنسبة لكثير من الأطفال الأردنيين شيئًا يشاهدونه عند الآخرين؛ البرازيل، الأرجنتين، فرنسا، ألمانيا، المغرب، اليابان، السعودية، تونس، مصر.. أسماء ورايات وملاعب بعيدة، أما الآن، فقد رأى الطفل علمه هناك.. رأى لاعبه هناك.. رأى منتخب بلده يسجل هدفًا في كأس العالم.. وسمع نشيده الوطني يصدح في أقاصي الأرض.. هذه ليست لقطة رياضية فقط.. هذه ذاكرة تُزرع.
ولذلك، المطلوب الآن ليس أن نلغي الطموح، بالعكس، يجب أن نلعب بقوة.. يجب أن نضغط، ونركض، ونقاتل، ونحترم القميص والفرصة والجمهور.. لا أحد يطلب من اللاعبين أن يذهبوا إلى الملعب كأنها رحلة سياحية.. ولا أحد يريد منتخبًا مستسلمًا بحجة أن المشاركة تكفي.
لكن هناك فرقًا كبيرًا بين الطموح والاختناق.. بين أن تطلب من المنتخب أن يلعب بشجاعة، وأن تطلب منه أن يحمل فوق كتفيه خوف بلد كامل من الخسارة.. بين أن تدعمه لأنه يمثل حلمًا، وأن تحاسبه لأنه لم يعالج كل عقدنا الرياضية والنفسية في تسعين دقيقة.
نحن لا نحتاج إلى ضغط يقتل المتعة.. نحتاج إلى لحظات تُبنى. نحتاج أن نخرج من هذه المشاركة بذكريات يحكيها الناس بعد عشرين سنة؛ هدف لا يُنسى، تصدٍّ كبير، هجمة جعلت الجميع يقف، تعادل درامي، مباراة قاتلنا فيها حتى النهاية، لقطة طفل يرتدي القميص ويقول: "أنا بدي أصير لاعب منتخب".. أغنية في المدرجات.. صورة في الشارع.. دمعة فخر لا دمعة هزيمة.
كأس العالم ليس فقط بطولة للفوز والخسارة، هو مصنع ذاكرة، والدول التي تعرف كيف تبني شخصيتها الكروية لا تبدأ دائمًا بالكؤوس، تبدأ بلحظات.. تبدأ بصورة.. تبدأ بجملة.. تبدأ بلاعب يفتح الباب لآخرين.
هولندا لم تفز بكأس العالم، لكنها صنعت شخصية كروية يعرفها العالم، اليابان لم تحتج إلى كأس كي تفرض احترامها كمنتخب منظم وشجاع وله هوية.. نيجيريا، الكاميرون، المغرب، السعودية، تونس، مصر، كل منتخب دخل بطريقته، بتاريخه، بآلامه، وباللحظات التي صنعت جمهوره، بعضهم خسر بقسوة، وبعضهم صنع مفاجآت، وبعضهم احتاج سنوات طويلة كي يتحول من مشارك إلى منافس.. وهذا هو الدرس الذي يجب أن نفهمه: الإنجازات فعل تراكمي.
لا يوجد منتخب يولد كبيرًا في كأس العالم، المنتخبات تُبنى.. الشخصية تُبنى.. الثقة تُبنى.. الجمهور أيضًا يُبنى، والطريق إلى أن يصبح الأردن منتخبًا يخافه الآخرون لا يبدأ من غضبنا بعد خسارة، بل من قدرتنا على تحويل المشاركة الأولى إلى أساس للمستقبل.
ما الذي نريده من هذا الجيل؟ نريده أن يلعب بكرامة، أن يستمتع بكرة القدم، أن لا يخاف من الخصم، أن يتعلم من الاحتكاك، أن يعود إلى الأردن حاملًا خبرة مختلفة: في اللياقة، والانضباط، والسرعة، والنظام، والهدوء تحت الضغط، والتعامل مع ملاعب لا ترحم وأسماء كبيرة لا تنتظر أحدًا.
لكن الأهم أن يعود ومعه قصة..
قصة تقول للاعب الصغير في النادي: الطريق ممكن.
قصة تقول للمدرب: الاستثمار في التفاصيل يصنع فرقًا.
قصة تقول للجمهور: لا تكسروا أبناءكم عند أول سقوط.
قصة تقول للمؤسسات: هذا ليس حدثًا عابرًا، بل فرصة لبناء رياضة، وذاكرة، وثقافة، وحلم طويل.
قصة تقول لنا جميعًا: لا تختصروا الوطن في نتيجة مباراة.
وهنا تأتي مسؤوليتنا كجمهور، لأن الجمهور لا يصنع الفوز فقط بالصراخ وقت الانتصار.. الجمهور الحقيقي يُختبر بعد الخسارة. هل يعرف كيف يفرح بما تحقق دون أن يفقد رغبته بالأفضل؟ هل يعرف كيف ينتقد دون أن يهدم؟ هل يعرف كيف يقول للاعب: نريد منك أكثر، لكننا لا ننسى أنك أنت من أوصلتنا إلى هنا؟
هناك من شجّع المنتخب لأنه يحب كرة القدم منذ سنوات، وهناك من شجّعه لأنه رأى في المشاركة لحظة وطنية، كلاهما مهم، لكن من المهم أيضًا أن نفهم أن الخسارة أمام منتخب أوروبي في كأس العالم ليست إهانة وطنية، ليست نهاية الحلم، ليست دليلًا أننا لا نستحق.. هي ببساطة جزء من الطريق.. الطريق الذي بدأ الآن فقط.
لو أردنا أن يكون لدينا يومًا ما منتخب يذهب إلى كأس العالم وهو يطلب أكثر من المشاركة، فعلينا أن نحمي هذه البداية، أن نستثمر فيها، أن نحولها إلى ثقافة رياضية، أن نجعل الأطفال يرون اللاعبين لا كأبطال لحظة فقط، بل كنموذج للالتزام والعمل والتراكم، أن نفهم أن الفوز الكبير لا يأتي من الحماس وحده، بل من التخطيط، والمال، والبنية، والمدارس، والأندية، والملاعب، والإعداد النفسي، والجمهور الذي يعرف معنى الصبر.. هذه المشاركة ليست نهاية القصة.. هي الفصل الأول.
قد تكون المباريات القادمة أصعب.. وقد نخسر.. وقد نفرح.. وقد نعيش لحظة لا تُنسى.. لكن الأهم ألا نتعامل مع كأس العالم كاختبار كرامة يومي، لندعه يكون مساحة للتعلم، والفرح، والمنافسة، وصناعة الذاكرة.
دعوا اللاعبين يلعبون وهم يعرفون أن البلد معهم، لا فوق صدورهم، دعوهم يشعرون أن المطلوب منهم أن يقاتلوا، لا أن يحملوا وحدهم خوفنا من الخسارة، دعوهم يستمتعون بالكرة، لأن المتعة ليست ضد الجدية.. أحيانًا هي الطريق الوحيد كي تظهر المهارة تحت الضغط.
نحن دخلنا القصة.. وهذه وحدها لحظة لا يجوز أن نكسرها.
الآن، فلنلعب.. فلنحلم.. فلنغضب عند الخطأ دون أن ننسى الطريق.. فلنفرح بالهدف كما لو أنه أول باب.. فلنبنِ من هذه المشاركة ذاكرة لأطفال سيكبرون وهم يعتقدون أن الوصول إلى كأس العالم ليس معجزة.
كان مستحيلًا.. ثم صار ممكنًا.. وهذه هي البداية التي لا يجب أن نخسرها.

