يزيد أبو ليلى وعبء الانجاز التاريخي
ملخص :
حققت الكرة الأردنية مؤخرًا حلمها الأكبر، ووطأت أقدام (النشامى) العشب المونديالي لأول مرة في تاريخ كأس العالم، وكانت مواجهة البداية أشبه باختبار حقيقي أمام منتخب متمرس يعتاد أجواء هذه البطولة العالمي، ورغم الفوارق الشاسعة في الخبرة، قدم المنتخب الأردني أداءً بطوليًا نال احترام المتابعين المنصفين، لكن، ووبدلًا من أن تُرفع القبعات لكتيبة صنعت التاريخ، انحرفت بوصلة المشهد سريعًا نحو دهاليز منصات التواصل الاجتماعي، لتتحول الإشادة إلى حملة من الانتقادات الحادة، بلغت حد "خطاب الكراهية" والسخرية، وكان النصيب الأكبر منها لحارس المرمى الأمين، يزيد أبو ليلى.
ذاكرة الجماهير القصيرة .. كيف يُمحى التاريخ في 90 دقيقة؟
من المؤسف في عالم كرة القدم الحديثة أن النجومية تُقاس بمبارة اليوم، لا برحلة الأمس، وقد نسي الكثير من المنتقدين، أو تناسوا عمدًا أن يزيد أبو ليلى كان السد المنيع والصخرة التي كسرت عليها هجمات المنافسين طوال رحلة التصفيات الشاقة، وهو نفسه الحارس الذي طالما تغنت الجماهير باسمه، وعُقدت عليه الآمال، وكان حجر الزاوية وأحد الأسباب المباشرة في إيصال الأردن إلى هذا المحفل العالمي لأول مرة.
وإن تحويل لاعب من "بطل قومي" إلى "شماعة للخسارة" في غضون تسعين دقيقة يعكس مشكلة اجتماعة أعمق في كيفية تعاملنا مع الرياضة؛ حيث يطغى الشغف الأعمى والرغبة في الفوز الفوري على حساب العقلانية والامتنان.
الضغط النفسي في المونديال: الحارس ليس آلة
دخول أجواء كأس العالم لأول مرة يحمل ضغطًا نفسيًا لا يمكن لغير الرياضيين استيعابه، وحارس المرمى تحديدًا في بؤرة هذا الضغط؛ فخطأ المهاجم يمر مرور الكرام، أما هفوة الحارس فتتحول إلى هدف يُعرض آلاف المرات، وننسى أن الرياضيون المحترفون بشر ويمتلكون مشاعر وهواتف ذكية أيضًا، وقراءة التعليقات الساخرة وخطاب الكراهية بين المباريات لا تولد دافعًا للتصحيح، بل تصنع جدارًا من الشك والخوف من الخطأ، وهو العدو الأول لأي حارس مرمى.
فالمنتخب الأردني تبقى له مباراتان حاسمتنا في دور المجموعات، وفي هذه المرحلة الحرجة، يحتاج اللاعبون -وتحديدًا أبو ليلى- إلى الترميم النفسي وليس الجلد والتشهير، وإن استمرت هذه الحملات الممنهجة قد تنعكس سلبًا على الأداء الجماعي للفريق، ويُهدم ما تم بناؤه في سنوات بلمح البصر.
من مدرجات النقد إلى ساحات السند
علينا أن ندرك أن كرة القدم لم تعد مجرد تسعين دقيقة تُلعب على المستطيل الأخضر، بل هي منظومة متكاملة مع جمهورها، وإن النقاد الحقيقيين والمحللين يدركون جيدًا أن الأخطاء ليست نهاية المطاف، بل هي الضريبة الطبيعية لخطواتنا الأولى في المحافل العالمية، ومحطة أساسية لاكتساب خبرة المونديال، فشتان بين نقد رياضي يبنيه أهل الاختصاص وبين ضجيج فارغ يمارسه هواة خلف الشاشات لا يملكون من كرة القدم إلا أزرار هواتفهم، فمن السهل على من يجلس في غرفته مسترخيًا أن يُنظّر في الخطط التكتيكية، ويوجه أصابع الاتهام، ويوزع صكوك الفشل على لاعبين يخوضون معارك بدنية ونفسية طاحنة على عشب المونديال.
هؤلاء النقاد الافتراضيون الذين يقتاتون على اللقطات المجتزأة والفيديوهات الساخرة، لا يدركون أنهم يتحولون من مشجعين إلى اللاعب رقم 12 لصالح الخصوم، فالاستحقاق العالمي يتطلب وعيًا جماهيريًا يرتقي لمستوى الحدث؛ فمن يعجز عن قول كلمة تدعم وتشد من أزر الفريق في كبوته، فليصمت وليترك اللعبة لأهلها، فالنشامى الذين وصلوا بالجهد والعرق يحتاجون اليوم إلى سند حقيقي في المدرجات، لا إلى أصوات فارغة تحاول إحباطهم من خلف الشاشات.

