عندما يطرق الإدمان بيوت الثراء والرفاهية
ليلى العمري
ملخص :
لم تعد صورة متعاطي المخدرات كما طبعتها السينما الكلاسيكية في الأذهان لقرون؛ ذلك الشخص البائس الذي يعيش على هامش المجتمع، المشرد في الأزقة المظلمة، أو العاطل عن العمل الذي يهرب من فقر مدقع ولا يملك في حياته هدفًا أو أملًا، هذه الصورة النمطية تهاوت تمامًا أمام واقع جديد أكثر قسوة، اليوم يواجه المجتمع حقيقة مغايرة: المخدرات لم تعد سلاح "عديمي الحياة" أو الفقراء وحدهم، بل تحولت إلى آلة عابرة للطبقات، تتسلل بنعومة إلى أروقة الشركات الكبرى، والبيوت الفارهة، والجامعات النخبوية، لتستهدف أفرادًا يملكون المال، والسلطة، والنجاح المهني.
إذا كان الفقير يلجأ للمخدرات ليريح عقله من التفكير في قوت يومه، فإن لدى الأثرياء والناجحين دوافع مختلفة تمامًا، لكنها تؤدي إلى النتيجة ذاتها، يعيش أصحاب المناصب العالية والموظفون التنفيذيون تحت وطأة قلق الأداء وضغط العمل المتواصل لـ 14 أو 16 ساعة يوميًا، في هذه البيئات لا يُسمح بالخطأ أو التراجع.
هنا لا يبحث المتعاطي عن الهلوسة أو الغياب عن الوعي في البداية، بل يبحث عن التعزيز الفائق للإنتاجية، وهذا ما يفسر الانتشار المرعب للمنشطات التخليقية ومسكنات الألم القوية في أوساط المهنيين، فيتناولونها لزيادة التركيز، وتقليل ساعات النوم، ومواصلة العمل بنفس الكفاءة، دون إدراك أنهم يقعون في فخ الاعتماد الكيميائي التام.
الجرعة الزائدة خلف الأبواب المغلقة
في الأحياء الفقيرة والمهمشة، يسهل رصد مشكلة المخدرات؛ فالشرطة تتواجد هناك بكثافة، والمشاكل الأسرية تخرج للعلن بسرعة، والاعتقالات يومية، أما في مجتمعات الأثرياء، فإن الإدمان يضرب خلف جدران عازلة للصوت خوفًا من الفضيحة وتدمير السمعة العائلية أو المركز المالي للعائلة فذلك يدفع الأسر الثرية إلى فرض طوق من السرية التامة على الفرد المدمن، بدلًا من اللجوء للمصحات العامة أو مراكز علاج الإدمان المعروفة، فيتم التكتم على الأمر والاستعانة بأطباء خاصين، أو السفر للخارج، تحت غطاء إجازة عمل أو علاج طبيعي، هذا الصمت والإنكار المتبادل يمنح المرض فرصة أكبر ليتجذر في جسد وعقل المتعاطي، ليتفاجأ الجميع في النهاية مأساوية مثل سكتة قلبية مفاجئة أو جرعة زائدة تُسجل طبيًا كـ "هبوط حاد في الدورة الدموية".
حينما يصبح كل شي متاحًا
على الجانب الآخر من معادلة النجاح والعمل، نجد فئة أخرى من مجتمعات الرفاهية تقع في فخ الإدمان وهم الأبناء الذين نشؤا وفي أفواههم ملاعق من ذهب، دون الاضطرار لمواجهة تحديات الحياة الحقيقية.
عندما تلبي الأموال كل رغبة مادية فور ولادتها، يصاب الإنسان بحالة من البلادة الحسية والملل المزمن، يفقد الطعام والشراب والسفر والسيارات الفارهة بريقها وتأثيرها المبهج، وفي هذه اللحظة، يبحث العقل البشري عن مستوى من التحفيز الكيميائي لكسر هذا الملل وتذوق طعم الإثارة مجددًا، تتحول المخدرات هنا إلى أداة لملء الفراغ الروحي العميق، وتصبح الحفلات الخاصة بيئة خصبة لتجربة المواد الجديدة كنوع من التسلية والوجاهة الاجتماعية وسط أقرانهم.
كسر النمطية لحماية المجتمع
إن استمرار المؤسسات الإعلامية والتوعية في حصر قضية المخدرات في إطار "الفقر، الجهل، البطالة" يُعد خطأ إستراتيجيًا فادحًا في الوقت الحالي، هذا الخطاب يمنح الطبقات المتعلمة والميسورة شعورًا زائفًا بالأمان والحصانة، ويجعل الآباء والأمهات في تلك المجتمعات يتغاضون عن علامات الإدمان الواضحة على أبنائهم ظنًا منهم أن هذه الأشياء لا تحدث في بيئتنا.
ولمواجهة هذا الخطر العابر للطبقات، يجب أن تتغير لغة المواجهة من خلال تطوير حملات التوعية لتناقش مفاهيم مثل الضغط النفسي في العمل، وإدمان العقاقير الطبية الموصوفة، بالإضافة إلى إتاحة الدعم السري للشركات وتوفير برامج دعم نفسي وعلاجي سرية للغاية داخل الشركات والمؤسسات الكبرى، تمكن الموظف أو المدير من طلب المساعدة دون الخوف من فقدان وظيفته أو تدمير مستقبله المهني.
في المحصلة، تبرهن المعطيات الحديثة على أن المخدرات في العصر الحالي ليست مشكلة اقتصادية تقتصر على جيوب فارغة، بل هي أزمة إنسانية ونفسية لا تضرب الروح والعقل أينما وجدت الثغرة والهشاشة النفسية، وإن السموم لا تطلب بطاقة الهوية، ولا تنظر إلى رصيد البنك، ولا تكترث للمؤهل العلمي؛ فعندما يغيب الوعي ويتحول الإنسان إلى آلة تبحث عن اللذة السريعة أو الهروب المؤقت من الواقع وضغوطه، يتساوى الجميع أمام النتيجة الحتمية.
يموت الفقير على رصيف بارد، ويموت الغني في سرير حريري، والقاتل في الحالتين واحد، لقد حان الوقت للنظر إلى الإدمان كمرض اجتماعي وصحي يهدد المجتمع بجميع أطيافه، بعيدًا عن تصنيفات الفقر والثراء الزائفة.

