تبدد الوهم: كيف أسقط البنتاغون شعارات الجندر عند عتبة التستوستيرون؟
ليلى العمري
ملخص :
لسنوات طويلة، بدا وكأن العالم الغربي -وبخاصة في قلاعه الفكرية والمؤسساتية داخل الولايات المتحدة- قد غادر فكرة الثنائية البيولوجية الصارمة، وروج لجغرافيا الجسد بوصفها مساحة مرن، قابلة لإعادة التشكيل والاختيار، وذابت التعريفات التقليدية للذكورة والأنوثة تحت وطأة سرديات "حرية الجندر" وسيول الهوية الافتراضية، وقبل لنا أن النوع الاجتماعي هو مجرد بناء ثقافي يمكن تفكيكه وإعادة صياغته تلو الصياغة، وحذت المؤسسة العسكرية الأمريكية حذو هذا التوجه ردحًا من الزمن، فاتحةً أبوابها لقرارات تتبنى هذا التنوع الهوياتي بمرونة بالغة وتدافع عنه كقيمة حضارية حديثة.
لكن، وفي تحول دراماتيكي مفاجئ هزّ الأوساط السياسية والاجتماعية مؤخرًا، بدا وكأن البنتاغون قرر فجأة الاستيقاظ من "حلم الجندر" والارتطام المباشر بصخرة البيولوجيا القاسية، بقرار رسمي يلزم فحص مستويات هرمون الذكورة (التستوستيرون) للجنود الذين تجاوزا الثلاثين من عمرهم، أعلنت القيادة العسكرية عن عودة صريحة لـ"بيولوجيا القوة"، في تلك اللحظة التي وُقّع فيها القرار تحت مسمى مبادرات رفع كفاءة المقاتل البدنية والذهنية، سقطت الأقنعة الفلسفية لتكشف عن حقيقة لطالما حاولت السرديات المعاصرة تجاهلها: في ميادين الحروب الحقيقية، وحيث يُصنع الموت وتُختبر الأجساد تحت ضغط الطبيعة والمجهود البدني العنيف، لا مكان لمرونة المفاهيم؛ فالجسد يظل محكومًا بهرموناته، والقتال يحتاج إلى مادة حيوية ملموسة لا إلى شعارات هوياتية عائمة.
تضعنا هذه المفارقة أمام تساؤل إنساني واجتماعي غائر: كيف يمكن لدولة تقود قاطرة الترويج لسيولة الجندر عالميًا وتدافع عن حق الفرد في تجاوز حدوده البيولوجية، أن ترتد داخل مؤسستها الأكثر حساسية وقوة إلى أبسط محددات الذكورة الطبيعية؟ وهل يعني هذا القرار أن الجسد البشري حين يوضع في كفة البقاء أو الفناء على خطوط النار، يرفض الانصياع لكل الفلسفات الحديثة ويعود مكرهًا إلى أصله الطبيعي؟
صراع الهويات فوق خطوط النار
خلف الجدران الإسمنتية السميكة لوزارة الحرب الأمريكية (البنتاغون)، تُصنع الإستراتيجيات العسكرية بناءً على حسابات الكفاءة والقدرة البدنية المطلقة، في هذا العالم الذي لا يرحم الضعفاء، لا تُقاس المعارك بالنيات الفكرية بل بمقدار التحمل الجسدي، والسرعة، والصلابة الروحية والبدنية للجنود في مواجهة أقسى الظروف المناخية والنفسية، ومن هنا جاء هذا القرار ليعيد الاعتبار لهرمون التستوستيرون، ليس فقط كمؤشر كيميائي، بل كحجر زاوية في بنية المحارب التاريخية.
التستوستيرون ليس مجرد هرمون كوري عابر؛ إنه المحرك البيولوجي لبناء الكتلة العضلية، وكثافة العظام، والقدرة على الاستشفاء السريع بعد المجهود العنيف، فضلًا عن دوره الحاسم في الحفاظ على التركيز الذهني والدافعية القتالية تحت الضغط الشديد، عندما يقرر البنتاغون فحص مستويات هذا الهرمون للجنود فوق سن الثلاثين – وهي المرحلة العمرية التي يبدأ فيها هذا الهرمون بالتراجع بمعدل ثابت سنويًا- فإنه يعترف ضمنًا بأن تراجع القوة البدنية هو ثغرة أمنية لا يمكن سدها بالشعارات، في ميادين القتال الموحشة، يحمل الجندي عتادًا يزن عشرات الكيلوغرامات ويتحرك لساعات طويلة في جغرافيا وعرة، تسقط الفلسفات النظرية وتبرز أهمية البيولوجيا الصرفة، هذه العودة المباغتة لـ "بيولوجيا القوة" تكشف عن فجوة هائلة بين ما تروج له الدولة في الفضاء العام والتعليمي والاجتماعي من سيولة تامة للهويات، وبين ما تفرضه على جنودها في غرف التخطيط الحربي؛ حيث تظل الطبيعة البيولوجية هي صاحبة الكلمة الفصل.
ازدواجية المعايير: تصدير "السيولة" للخارج وفرض "الصلابة" في الداخل
تتبدى المفارقة الأكثر إثارة للدهشة في هذه القضية إلى التناقض الصارخ في السياسة العامة للولايات المتحدة، فبينما تقف آلتها الدبلوماسية، والإعلامية، والسينمائية في طليعة المروجين لأفكار الجندر، وتفكيك المفاهيم التقليدية للذكورة والأنوثة، وتطالب المجتمعات الأخرى بتبني هذه النظريات وتجاوز ثنائية الجنس التقليدية، نجد أن مؤسستها العسكرية الأكثر حيوية تنأى بنفسها وتغلق أبوابها في وجه هذه السيولة عندما يتعلق الأمر بأمنها القومي وقدرتها القتالية.
هذا التناقض يضعنا أمام تساؤل أخلاقي واجتماعي عميق حول طبيعة الرسائل المصدرة للعالم، هل هي محاولة لتفتيت التى الاجتماعية التقليدية للمجتمعات الأخرى عبر ترويج مفاهيم تضعف التماسك البيولوجي الأسري، بينما تحتفظ مراكز القوة الصلبة في الغرب بأدوات قوتها البيولوجية والبدنية الكلاسيكية؟ إن إلزام الجنود الذكور فوق الثلاثين بفحص التستوستيرون للتحقق من رجولتهم وقدرتهم البدنية التقليدية يعيد صياغة مفهوم "الذكورة" كأداة قتالية أساسية لا غنى عنها للدولة، هذا الازدواجية توحي بأن "حرية الجندر" قد تكون رفاهية فكرية مسموحًا بها في الجامعات، وفي أروقة الفنون، ولدى عامة الشعب، ولكنها تقف عاجزة عند عتبة القوات المسلحة التي تدرك تمامًا أن بقاءها رهن بالحفاظ على الفوارق الطبيعية والمحددات الحيوية التي جُبلت عليها البشرية.
التمزق بين الأيدولوجيا المفروضة والفطرة المطلوبة
خلف كواليس القواعد العسكرية، يعيش الجنود الأمريكيون اليوم حالة من التمزق والاضطراب الهوياتي والنفسي غير المسبوق، فمن جهة، يخضع هؤلاء الجنود لبرامج تدريبية وتوجيهية مكثفة داخل معسكراتهم تفرض عليم تبني لغة جندرية معينة، وتحذرهم من التعبير عن المفاهيم التقليدية للذكورة تحت طائلة العقاب والاتهام بالرجعية أو التمييز، ومن جهة أخرى، يأتيهم قرار الفحص ليطالبهم بأن يكونوا "ذكورًا خارقين" من الناحية البيولوجية، محافظين على مستويات مرتفعة من هرمون يمثل جوهر الفطرة التي يُطلب منهم إخفاؤها أو تحجيمها أيدولوجيا في معاملاتهم اليومية.
هذا الانفصام يولد ضغطًا نفسيًا هائلًا واستنزافًا وجدانيًا صامتًا في صفوف العسكريين، يجد الجندي نفسه مطالبًا بأن يعيش بشخصيتين متناقضتين: شخصية مدنية واجتماعية تتماشي مع أجندات الدولة التقديمية وتتبرأ من مفهوم الذكورة المهيمنة، وشخصية عسكرية بدنية قائمة على نفس تلك السمات الهرمونية البيولوجية التي تمنحه القوة والجسارة في الميدان، إن هذا التنازع بين الفطرة والأيديولوجيا يعقد من الأزمة النفسية للجنود، ويجعلهم يشعرون بأن أجسادهم بات مجرد أدوات تجارب تُختبر تارة لخدمة السياسة وتارة أخرى لخدمة الحرب، دون أي اعتبار لسلامتهم الروحية وانسجامهم الداخلي مع ذواتهم.
انتصار الطبيعة وعودة الوعي المفقود
يتضح أن قرار وزارة الحرب الأمريكية ليس مجرد إجراء طبي روتيني يخص صحة الجنود، بل هو وثيقة اعتراف تاريخية تُسقطها وقائع الميدان في حجر الأيديولوجيا المعاصرة، إن الحقيقة الصارخة التي يكسرها البنتاغون اليوم بأجهزته ومستنداته الرسمية هي أن القوانين التي تحكم بقاء المجتمعات ودفاعها عن نفسها لا تُكتب بأقلام النظريات الاجتماعية السيالة، بل بحبر الفطرة الإنسانية السليمة ومحددات البيولوجيا التي لا تقبل التزييف، عندما تدق طبول الحرب وتلوح في الأفق التهديدات الوجودية، تتلاشى الرفاهية الفكرية، وتجد كبرى القوى العسكرية نفسها مضطرة للعودة إلى المربع الأول: مربع الجسد البشري في أصله الطبيعي وصلابته الفطرية.
إن هذه المفارقة تحمل في طياتها دعوة ملحة لمراجعة فكرية شاملة، لا تقتصر على المؤسسات العسكرية فحسب، بل تمتد إلى المجتمعات ككل، إنها تثبت أن محاولة هندسة الإنسان وتجرده من طبائعه وثنائيته الحيوية تحت مسمى الحريات الجندرية هي معركة خاسرة ضد الطبيعة نفسها، معركة تتبرأ منها الدولة في أكثر مواطنها حساسية عندما يتعلق الأمر بقوتها وبقائها، سيبقى هذا القرار شاهدًا على عصر حاول طويلًا القفز فوق سنن الحياة قبل أن يكتشف – وعبر بوابات الميدان والدم – أن القوة الحقيقية تكمن في احترام الفطرة ورعايتها، لا في صياغة أوهام فكرية تنطفئ وتذوب عند أول اختبار حقيقي على أرض الواقع.

