بين قدسية النبض ورأفة الغياب
ليلى العمري
ملخص :
الموت كأمنية أخيرة في ممرات الألم عبر القارة العجوز
في ممرات المستشفيات الباردة، وحيث تصدر الأجهزة الطبية رنينًا رتيبًا يذكًر بأن المرء على قيد الحياة، تعيش آلاف الأرواح معركة صامتة لا يراها الأصحاء، معركة لا تدور حول الرغبة في العيش، بل حول الطريقة التي بودع بها الإنسان هذا العالم عندما يصبح الجسد مجرد مسرح للألم المستمر، وتتحول الأيام إلى فصول متلاحقة من العذاب الذي لا يبرأ، لسنوات طوال، ظل الموت خطًا أحمر تذود عنه التشريعات والقوانين، معتبرة أن واجب الطب الأول والأخير هو الإبقاء على النبض حتى الرمق الأخير، لكن، وفي تحول فلسفي واجتماعي عميق تشهده القارة الأوروبية، وتوجته فرنسا مؤخرًا بموافقتها على قانون يسمح للبالغين المصابين بأمراض مستعصية بطلب إنهاء حياتهم ضمن بروتوكول طبي صارم، بدا وكأن المفهوم التقليدي للحياة والكرامة يُعاد تعريفه بكامل تفاصيله المؤثرة.
هذا التحول التشريعي، الذي يعج صداه وممارساته العميقة في دول أوروبية أخرى مثل بلجيكا وهولندا وسويسرا وإسبانيا، يضع البشرية أمام واحدة من أقسى المفارقات الوجدانية، إنه ليس مجرد نص قانوني يُناقش تحت قبة البرلمان، بل هو اعتراف بالضعف الإنساني أمام جبروت المرض، وإقرار بأن هناك لحظات يصبح فيها الموت، في نظر صاحبه، رحمة تفوق البقاء تحت وطأة العجز المطلق، بين مدافع يرى في هذا الحث ذروة "الكرامة الإنسانية" وحرية الفرد في كتابة السطر الأخير من حكايته، ومعارض يبكي بحرقة خوفًا من تحول الموت إلى خيار مستسهل يفرغ مهنة الطب من قدسيتها، تقف القلوب متعبة، تفتش عن توازن مفقود بين لوعة الوداع ورأفة الرحمة.
في ممرات الألم الصامت والخيارات الصعبة
وراء الستائر البيضاء في غرف العناية الحثيثة والمصحات الممتدة من باريس إلى بروكسل وأمستردام، تُكتب فصول من المعاناة اللإنسانية التي لا تترجمها الكلمات، المرضى الذين يواجهون مراحل متقدمة من أمراض كالسرطان المستعصي، أو الضمور العضلي الجانبي (ALS)، لا يعانون فقط من الألم الجسدي الذي يعجز أقوى المسكنات عن ترويضه، بل يعانون من انهيار تدريجي لكرامتهم الإنسانية المعهودة، تحول الإنسان بكامل وعيه وثقافته وتاريخه إلى كائن عاجزًا تماما عن أداء أبسط الوظائف الحيوية بمفرده، يمثل انكسارًا نفسيًا غائرًا لا يقل قصوة عن الجراح البدنية.
من هذه العتمة تحديدًا، تولد المطالبة بـ "الحق في الرحيل" فالبروتوكولات التي أقرتها فرنسا، وتلك المطبقة منذ سنوات في دول مثل هولندا وبلجيكا، لا تأتي كترف تشريعي، بل استجابة لصلوات صامتة ومتكررة من مرضى يجدون أنفسهم محاصرين بين سندان الألم ومطرقة البقاء الاصطناعي، ويرى هؤلاء في تشريع الموت الرحيم نافذة أخيرة لاستعادة السيطرة على مصيرهم؛ أن يغادروا العالم بأعين مفتوحة، محاطين بعائلاتهم، بدلًا من انتظار نهاية مجهولة تأتي بعد أشهر من التآكل والذوبان الجسدي والذهني تحت تأُثير المهددات الكيميائية.
جغرافيا الموت الرحيم وتعدد الرؤى
إن خطوة فرنسا الأخيرة بـمنح البالغين هذا الحق المشروط بالمرض العضال والوعي الكامل، ليست جزيرة معزولة، بل هي لبنة جديدة في جدار تشريعي آخذ بالاتساع في القارة العجوز، ففي هولندا وبلجيكا، يُطبق هذا القانون منذ أكثر من عقدين بمستويات مختلفة، حتى أنه يمتد في بعض الحالات ليشمل القاصرين بشروط بالغة التعقيد، بينما تتبنى سويسرا نموذجًا فريدًا يُعرف بـ "الانتحار بمساعد طبية" حيث يقدم الطبيب المادة القاتلة ويقوم المريض بتناولها بنفسه، وفي الأعوام الأخيرة، انضمت إسبانيا والبرتغال إلى هذا الركب، مما يظهر تحولًا ثقافيًا واجتماعيًا عامًا نحو علمانية الموت وإبعاد الصبغة الميتافيزيقية والدينية عن لحظة النهاية.
هذا التوسع الجغرافي يعكس تغيرًا في العقد الاجتماعي بين الفرد والدولة في أوروبا، إذ بات يُنظر إلى الجسد كملكية مطلقة لصاحبة، لا حق للمجتمع أو الكنسية أو المؤسسة الطبية في فرض البقاء عليه إذا قرر هو غير ذلك، فإن هذه الجغرافيا ليست متجانسة بالكامل؛ إذ تثير فوارق التطبيق وقوانينه نقاشات عابرة للحدود حول مفهوم "السياحة الطبية للموت"، حيث يسافر مواطنون من دول تمنع هذا الإجراء مثل: بريطانيا أو إيطاليا إلى سويسرا أو بلجيكا لإنهاء حياتهم، مما يخلق أزمة ضمير قانونية وأخلاقية تؤرق المشرعين الأوروبيين وتضع قيم التضامن البشري على المحك.
هل تحول الملاك إلى رسول رحيل؟
على الجانب الآخر من هذا المشهد الإنساني الحزين، يقف الأطباء والممرضون، الذين أقسموا يومًا على "قسم أبقراط" الشهير بحفظ الحياة وحمايتها بكل السبل، أمام معضلة وجودية وأخلاقية كبرى، إن تحويل دور الطبيب من محارب للموت ومدافع عن النبض إلى منفذ لبروتوكول ينهي الحياة، يمثل شرخًا نفسيًا وفلسفيًا عميقًا في هوية المهنة الطبية.
يبدي الكثير من الرافضين لهذه القوانين – ومن بينهم جمعيات طبية وازنة وهيئات دينية – تخوفات مشروعة من "المنحدر الزلق"، فهم يرون أن تشريع الموت الرحيم، وإن بدأ بشروط صارمة للمرضى الميؤوس من شفائهم، قد يتسع بمرور الوقت وتحت ضغط التكاليف الاقتصادية للرعاية الصحية الطويلة ليتحول إلى وسيلة للتخلص من عبء كبار السن، أو المصابين بأمراض نفسية حادة، أو ذوي الإعاقات الشديدة الذين قد يشعرون بضغط مجتمعي خفي يملي عليهم إنهاء حيواتهم حتى لا يكونوا عبئًا على عائلاتهم، هذا البعد الأخلاقي يفتح نزيفًا من التساؤلات حول طبيعة المجتمع الحديث: هل هو مجتمع يفيض بالرحمة لدرجة إنهاء عذاب المريض، أم هو مجتمع ضاق ذرعًا بالضعفاء والعاجزين، فأوجد لهم مخرجًا قانونيًا أنيقًا تحت مسمى الكرامة؟
السطر الأخير في كتاب العمر
يبقى قانون إنهاء الحياة الاختياري الذي تتبناه فرنسا وتتوسع في أوروبا شاهدًا على معركة الإنسان الأزلية مع الألم وعجزه أمام حتمية الفناء، إن هذا التشريع ليس انتصارًا للموت على الحياة، بل هو صرخة احتجاج يطلقها الجسد المنهك في وجه الآلات الصماء التي تمد عمر العذاب دوف أفق للشفاء، إنه اختيار بين أمرين أحلاهما مرّ: بقاء مرير تحكمه العقاقير والأجهزة، أو رحيل هادئ يختاره المرء بملء وعيه ليحفظ به ما تبقى من كرامة صورته الإنسانية قبل أن يمحوها المرض تمامًا.
لكن، ومهما بلغت دقة البروتوكولات الطبية وصمتها القانوني، فإن هذا الملف سيظل جرحًا مفتوحًا في ضمير الإنسانية، إن التحدي الحقيقي الذي يواجه المجتمعات الحديثة ليس في تسهيل مسارات الموت، بل في تعميق قنوات الحياة؛ في تطوير الطب التلطيفي، وبث الدفء والرعاية في قلوب أولئك الذين يشعرون بالعزلة والثقل وسط آلامهم، سيبقى الموت الرحيم قضية بلا إجابات قاطعة، تتنازعها عاطفة الرحمة بالمرضى وعاطفة التمسك بقدسية الروح، لتظل كل ورقة تُوقع في هذا البروتوكول بمثابة سطر أخير وداعي في كتاب عمر بشرى، يذكرنا دائمًا بأن أثمن ما نملك هو كرامتنا، سواء عشنا بها أو اخترنا بها الرحيل.

