عقلية السلطعون: لماذا يحاول بعض الناس سحبك للأسفل بدل تشجيعك؟
مصطلح نفسي بسيط يفسّر ليش أقرب الناس منك ممكن يكونوا أول من يحاول تثبيطك — وكيف تحمي نفسك من هالديناميكية بدون ما تقطع علاقاتك.
ملخص :
تبدأ مشروعًا جديدًا، أو تحصل على وظيفة، أو تقرر إكمال دراستك، فتتوقع كلمات تشجيع من المقربين إليك. لكن بدلًا من ذلك تسمع عبارات مثل: "كل من أعرفهم فشلوا"، أو "لا ترفع سقف توقعاتك"، أو "أنت محظوظ فقط". قد تبدو هذه التعليقات في ظاهرها نصائح واقعية، لكنها في بعض الأحيان تكون انعكاسًا لسلوك نفسي يُعرف باسم "عقلية السلطعون" (Crab Mentality) — وهو مصطلح صاغته الكاتبة الفلبينية نينوتشكا روسكا عام 1987 لوصف الأشخاص الذين يحاولون التقليل من نجاح الآخرين أو إعاقتهم، ليس بالضرورة لأنهم يكرهونهم، بل لأن نجاح الآخرين يذكرهم بما لم يحققوه هم. وبين بيئات العمل والجامعات وحتى داخل العائلة، أصبحت هذه العقلية موضوعًا يدرسه علماء النفس لفهم تأثير المقارنة والغيرة والتنافس على العلاقات الإنسانية.
يشير مصطلح "عقلية السلطعون" إلى سلوك يقوم فيه بعض الأشخاص بتثبيط الآخرين أو التقليل من إنجازاتهم أو محاولة إعاقتهم عند اقترابهم من النجاح. ويستمد المصطلح اسمه من تشبيه شائع يقول إن مجموعة من السلطعانات داخل دلو لا تحتاج إلى غطاء، لأن أي سلطعون يحاول الخروج يسحبه الآخرون إلى الداخل، فلا ينجو أي منها. ورغم أن هذا المثال يُستخدم بوصفه استعارة اجتماعية وليس حقيقة علمية موثقة عن سلوك السلطعانات في الطبيعة، فإنه أصبح رمزًا لوصف أشكال من المنافسة السلبية والغيرة التي قد تظهر في العلاقات الشخصية والمهنية.
لماذا سُمّيت بـ"عقلية السلطعون"؟
انتشر هذا المصطلح اعتمادًا على صورة مجازية معروفة: مجموعة من السلطعانات داخل دلو، وكلما حاول أحدها الخروج، جذبته البقية إلى الأسفل. وأصبح هذا المشهد يُستخدم لوصف أشخاص لا يكتفون بعدم مساعدة الآخرين، بل يحاولون أيضًا منعهم من التقدم، سواء بالسخرية، أو التقليل من الإنجازات، أو بث الإحباط. ورغم أن علماء الأحياء لا يعتبرون هذا وصفًا دقيقًا لطبيعة السلطعانات فعليًا، فإن المصطلح استقر في علم النفس الشعبي والإدارة لوصف ديناميكيات اجتماعية متكررة بين البشر. ([Wikipedia][1])
"أنت محظوظ فقط"… كيف تبدو عقلية السلطعون؟
لا تظهر هذه العقلية دائمًا بشكل مباشر، بل قد تختبئ خلف عبارات تبدو عادية، مثل: "الأمر ليس مميزًا"، أو "أي شخص كان سينجح مكانك"، أو "انتظر وستفشل مثل غيرك"، أو "لا تحلم كثيرًا". وقد يحاول الشخص أيضًا التقليل من قيمة الإنجاز، أو التركيز على احتمالات الفشل بدل الاحتفاء بالنجاح، أو نشر الشكوك حول قدرة الطرف الآخر. وهنا لا يكون الهدف دائمًا إيذاء الشخص الآخر، بل حماية صورة الذات من الشعور بأنها أقل نجاحًا.
لماذا يهدد نجاح الآخرين بعض الأشخاص؟
يفسر علماء النفس الاجتماعي هذا السلوك من خلال نظرية المقارنة الاجتماعية التي طرحها عالم النفس ليون فستينغر عام 1954 في دورية Human Relations. توضح النظرية أن الإنسان يميل إلى تقييم نفسه من خلال مقارنة إنجازاته بإنجازات الآخرين، خصوصًا حين لا تتوفر معايير موضوعية للتقييم. وعندما يشعر بأن شخصًا قريبًا منه يتقدم بينما هو لا يحقق التقدم نفسه، قد يشعر بالإحباط أو الغيرة أو بانخفاض تقديره لذاته. وبدلًا من تطوير نفسه، يلجأ بعض الأشخاص — بصورة واعية أو غير واعية — إلى التقليل من نجاح الآخرين، حتى يستعيد شعوره بالتوازن النفسي. ([Festinger, 1954][2])
أين تظهر هذه العقلية؟
لا تقتصر عقلية السلطعون على بيئة واحدة؛ فقد تظهر بين زملاء العمل عند التنافس على ترقية، أو بين الطلاب في الجامعة، أو حتى بين الأصدقاء والأقارب. مجلة Psychology Today وثّقت مؤخرًا كيف تظهر هذه الديناميكية بشكل خاص داخل الأسرة، حين يستجيب أحد أفرادها لنجاح قريبه بالغيرة أو التقليل من شأنه أو حتى محاولة تخريبه، مدفوعًا بمشاعر انعدام الأمان أو الخوف من التغيير. وفي بعض البيئات التي تقل فيها الفرص أو يشتد فيها التنافس، قد ينظر البعض إلى نجاح الآخرين وكأنه خسارة شخصية لهم، رغم أن نجاح شخص لا يعني بالضرورة تقليل فرص الآخرين. ولهذا يرى بعض الباحثين أن انتشار هذه العقلية يرتبط أحيانًا بثقافة ترى النجاح موردًا محدودًا، وليس فرصة يمكن أن يستفيد منها الجميع. ([Psychology Today][3])
هل يرتبط الأمر بالغيرة فقط؟
الغيرة قد تكون أحد الأسباب، لكنها ليست السبب الوحيد. يربط باحثون في علم النفس بين عقلية السلطعون وعوامل مثل انخفاض تقدير الذات، والخوف من الفشل، والشعور بعدم الكفاءة، إضافة إلى سمات شخصية مثل التنافسية المفرطة أو الحاجة المستمرة للشعور بالتفوق — إذ يميل من يعانون من تدنٍّ في تقدير الذات إلى التركيز على تجنّب الأخطاء بدل السعي للنمو، ما يجعل نجاح الآخرين يبدو تهديدًا لا مصدر إلهام. في المقابل، يُلاحظ أن الأشخاص الأكثر ثقة بأنفسهم يكونون أكثر ميلًا لدعم نجاح الآخرين والاحتفال به. ([A Place of HOPE][4])
كيف تتعامل مع "عقلية السلطعون"؟
ينصح المختصون بعدم ربط قيمة إنجازاتك بآراء الأشخاص المحبطين، مع التمييز بين النقد البنّاء الذي يهدف إلى تطوير الأداء، وبين التعليقات التي تهدف فقط إلى إحباطك أو التقليل من إنجازك. ويؤكد خبراء التنمية الشخصية أن اختيار بيئة داعمة تحفز النجاح وتحتفي به يساعد على تعزيز الدافعية والثقة بالنفس أكثر من البقاء وسط أشخاص يرون في نجاح الآخرين تهديدًا لهم.
قد لا يكون كل من يقلل من نجاحك شخصًا سيئًا، لكنه قد يكون أسيرًا لمقارنات مستمرة تجعله يرى نجاح الآخرين انعكاسًا لفشله الشخصي. وهنا تكمن خطورة "عقلية السلطعون": فهي لا تمنع التقدم فحسب، بل تخلق بيئة يصبح فيها النجاح مصدرًا للتوتر بدل أن يكون مصدرًا للإلهام. ولعل أهم ما يمكن تذكره هو أن نجاح الآخرين لا ينتقص من فرصك، كما أن دعم شخص يصعد لا يعني أنك ستبقى في مكانك. ففي كثير من الأحيان، تكون المجتمعات التي يشجع أفرادها بعضهم بعضًا أكثر قدرة على النجاح من تلك التي يقضي أفرادها وقتهم في سحب بعضهم إلى الأسفل.

