عبوة تقتل رئيس الاستخبارات العسكرية في شرق ليبيا.. لماذا يضع اغتيال واحد «استقرار بنغازي» تحت الاختبار؟
ملخص :
11 أغسطس/آب 2026
قُتل مساء الاثنين العميد فوزي المنصوري، رئيس الاستخبارات العسكرية التابعة لقوات شرق ليبيا، بعد انفجار عبوة ناسفة في سيارته أمام منزله بمنطقة الهواري في بنغازي — بحسب مصادر ليبية محلية، بعد خروجه من صلاة العشاء في مسجد قريب مباشرة. وفق مصدرين أمنيين تحدثا لرويترز، وحتى لحظة إعداد هذه القصة، لم تعلن أي جهة مسؤوليتها ولم تحدد السلطات منفذ الهجوم أو دوافعه.
والحدث لم يقع بمعزل عن اضطراب أمني آخر في اليوم نفسه تقريبًا: طائرات مسيّرة استهدفت في الجهة المقابلة من البلاد أكبر مصفاة نفط عاملة في ليبيا، مصفاة الزاوية غرب طرابلس، ودمّرت خزانًا يحتوي 4.5 مليون لتر من البنزين، وحذّرت المؤسسة الوطنية للنفط من أن استمرار الهجمات قد يجبرها على وقف العمليات. لم تُعلن أي جهة مسؤوليتها عن هذه الضربات أيضًا.
الخبر مهم ليس لأن ليبيا غريبة عن الاغتيالات أو الجماعات المسلحة.
بل لأن المكان والهدف مختلفان — وتزامنه مع حادثة أمنية أخرى في الطرف الآخر من البلاد يرفع منسوب القلق حول ما إذا كنا أمام يوم استثنائي أم بداية نمط جديد.
بنغازي هي مركز السلطة العسكرية لخليفة حفتر، والمنصوري لم يكن مسؤولًا محليًا عاديًا، بل رأس جهاز الاستخبارات العسكرية في المنطقة التي تقدمها سلطات الشرق منذ سنوات باعتبارها أكثر استقرارًا أمنيًا من بقية البلاد. قوات حفتر تسيطر حاليًا على معظم شرق وجنوب ليبيا، بينما تستمر حكومة الوحدة الوطنية المعترف بها دوليًا في طرابلس في السيطرة على معظم الغرب.
لذلك فإن السؤال ليس فقط:
من قتل فوزي المنصوري؟
بل:
كيف استطاع شخص ما الوصول بعبوة ناسفة إلى أحد أهم مسؤولي الأمن داخل قلب منظومة حفتر نفسها؟
الخلاصة في 30 ثانية
وقع الانفجار مساء 10 أغسطس أمام منزل المنصوري في منطقة الهواري في بنغازي. مصدران أمنيان أكدا مقتله، لكنهما لم يقدما معلومات رسمية عن نوع العبوة أو منفذي العملية أو دوافعها، رغم أن مصادر محلية تحدثت عن عبوة لاصقة زُرعت في سيارته. رئيس حكومة الشرق أسامة سعد حماد أدان الحادثة ووصفها بـ"العمل الإرهابي الغادر"، متعهدًا بكشف ملابساتها.
حتى الآن لا يوجد دليل يسمح بربط الاغتيال بتنظيم مسلح، خصومة داخلية، صراع سياسي، أو جهة خارجية.
وهذا مهم جدًا.
المعلومة المؤكدة هي الاغتيال. كل تفسير لمن يقف خلفه ما يزال فرضية.
لكن مجرد نجاح العملية يحمل قيمة أمنية كبيرة، لأن قوات خليفة حفتر بنت خلال السنوات الأخيرة نموذجًا شديد المركزية للسيطرة على شرق ليبيا، بينما بقيت المؤسسات الأمنية والعسكرية الليبية على المستوى الوطني منقسمة رغم وقف إطلاق النار منذ 2020. الأمم المتحدة ما زالت تعتبر توحيد المؤسسات الأمنية والعسكرية شرطًا أساسيًا للاستقرار الدائم.
من هو فوزي المنصوري؟
المعلومات المنشورة حتى الآن عن سيرته محدودة، لكن ما هو مؤكد أنه عُيّن مديرًا للاستخبارات العسكرية في بنغازي برتبة لواء عام 2024.
ما أكدته المصادر الأمنية لرويترز هو أنه كان يشغل منصب رئيس الاستخبارات العسكرية لقوات شرق ليبيا المعروفة باسم الجيش الوطني الليبي.
وهذا بحد ذاته يجعل موقعه حساسًا.
الاستخبارات العسكرية تتعامل عادة مع التهديدات المرتبطة بالقوات المسلحة، وجمع المعلومات الأمنية، ومراقبة المخاطر والاختراقات المحتملة.
لكن لا توجد حتى الآن معلومات موثقة كافية تسمح لـSATR ببناء قصة شخصية موسعة عنه أو نسب ملفات محددة إليه.
لذلك القصة ليست بروفايل للمنصوري بقدر ما هي اختبار للمنظومة الأمنية التي كان جزءًا منها.
لماذا بنغازي بالذات تجعل العملية مهمة؟
لأن بنغازي ليست مجرد ثاني أكبر مدينة ليبية.
هي العاصمة السياسية والعسكرية الفعلية لمعسكر شرق ليبيا.
قوات خليفة حفتر تسيطر من خلالها على معظم شرق البلاد وأجزاء واسعة من الجنوب، بينما ارتبطت السنوات الأخيرة في المدينة بمشاريع إعادة إعمار وتوسع في علاقات سلطات الشرق مع دول أجنبية. وفي 2026، شاركت قوات حفتر للمرة الأولى إلى جانب قوات من غرب ليبيا في تدريبات عسكرية تقودها الولايات المتحدة، بينما توسعت علاقات بنغازي الأمنية والدبلوماسية مع تركيا وباكستان ودول أخرى.
ومن المفيد هنا فهم خريطة الدعم الخارجي: شرق ليبيا استفاد تاريخيًا من دعم روسي — بما في ذلك انتشار مرتزقة — إضافة إلى دعم مصري وإماراتي، بينما دعمت تركيا تقليديًا سلطات الغرب في طرابلس. هذا التوازن الخارجي جزء من الخلفية التي يجب أخذها بالحسبان عند تقييم أي تكهنات مستقبلية حول الفاعل، دون أن يعني ذلك وجود أي دليل حالي يربط جهة خارجية بعينها بالاغتيال.
بمعنى آخر:
حفتر يحاول تحويل شرق ليبيا من منطقة نزاع إلى سلطة مستقرة قادرة على التعامل مع العالم كأمر واقع.
اغتيال رئيس استخباراته العسكرية داخل بنغازي يضرب هذه الصورة في نقطة حساسة جدًا.
ليس لأنه يعني انهيار الأمن.
بل لأنه يثبت أن الوصول إلى مستويات عليا في جهاز الأمن نفسه ممكن.
هل يعني ذلك أن بنغازي عادت إلى سنوات الاغتيالات؟
لا نستطيع القول ذلك بعد.
بنغازي عاشت بين 2012 و2014 موجة كبيرة من عمليات الاغتيال والتفجيرات استهدفت مسؤولين أمنيين وعسكريين وسياسيين. وفي 2019 أيضًا أدى تفجير سيارة مفخخة في المدينة إلى مقتل موظفين في بعثة الأمم المتحدة.
لكن حادثة واحدة في 2026 لا تكفي للقول إن «موجة الاغتيالات عادت».
الاختبار سيكون في الأيام المقبلة:
هل تظهر عمليات أخرى؟
هل تكشف التحقيقات عن خلية أو شبكة؟
هل يتضح أن القضية فردية أم مرتبطة بصراع أوسع؟
لذلك الصياغة الأكثر دقة الآن هي:
الاغتيال يعيد سؤال الأمن السياسي إلى بنغازي، لكنه لا يثبت بعد عودة نمط الاغتيالات القديم.
لماذا ليبيا ما تزال قابلة لهذا النوع من الصدمات؟
لأن الحرب الكبرى توقفت، لكن الدولة الواحدة لم تعد بعد.
وقف إطلاق النار الموقع في 2020 أنهى معظم القتال الواسع، لكنه لم يوحد المؤسسات السياسية والعسكرية. ليبيا ما تزال تعمل فعليًا عبر سلطتين متنافستين: حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس، وسلطات شرقية مرتبطة بمجلس النواب وقوات حفتر.
الأمم المتحدة حذرت مرارًا من أن غياب مؤسسات عسكرية وأمنية موحدة يبقي الاستقرار هشًا، حتى عندما تكون مستويات القتال أقل من سنوات الحرب الأهلية.
وهذا يشرح مفارقة ليبيا الحالية:
لا توجد حرب أهلية شاملة.
لكن:
لا توجد دولة أمنية موحدة أيضًا.
وفي هذه المساحة الرمادية تستطيع عمليات اغتيال أو اشتباكات أو أزمات سياسية صغيرة أن تحمل أثرًا أكبر من حجمها المباشر.
وهل هناك صراع داخل معسكر حفتر؟
هناك بالتأكيد إعادة ترتيب للسلطة داخل شرق ليبيا، لكن لا يوجد دليل حتى الآن يربطها باغتيال المنصوري.
خليفة حفتر ما يزال القائد الأعلى لقوات الشرق، بينما أصبح ابنه صدام حفتر نائب قائد الجيش الوطني الليبي ويمارس دورًا عسكريًا ودبلوماسيًا متزايدًا. ففي أبريل شارك بصفته نائب القائد في إطلاق تدريبات عسكرية مشتركة مع الولايات المتحدة وقوات من غرب البلاد.
وخلال الأشهر الماضية وسعت قيادة الشرق كذلك اتصالاتها مع تركيا ومصر وباكستان وعدد من القوى الدولية.
هذه التحولات تجعل أي حادث يستهدف مستوى أمنيًا رفيعًا حساسًا.
لكن القاعدة التحريرية هنا واضحة:
وجود تنافس أو انتقال في مراكز القوة لا يعني أن الاغتيال جزء منه.
حتى ظهور أدلة، لا توجد علاقة مثبتة.
لماذا يجب ألا نبحث سريعًا عن «المستفيد»؟
لأن هذا أحد أكثر الأخطاء شيوعًا بعد الاغتيالات السياسية.
قد يبدو منطقيًا أن نسأل:
من يعارض حفتر؟
من ينافس جهاز الاستخبارات؟
من لديه مصلحة في ضرب الأمن داخل بنغازي؟
لكن كلمة «مصلحة» لا تساوي «دليلًا».
حتى الآن، المصدران الأمنيان اللذان أكدا الواقعة لم يحددا مشتبهًا به، ولم تعلن جهة مسؤوليتها.
ولذلك أي عنوان من نوع:
«خصوم حفتر يغتالون رئيس استخباراته»
أو:
«صراع داخلي وراء انفجار بنغازي»
سيكون غير مدعوم بالمعلومات المتاحة.
السبق الصحفي هنا ليس في تسمية منفذ لم نعرفه.
السبق هو في شرح لماذا الهدف مهم من دون اختراع الفاعل.
وما الذي يجعل اللحظة الليبية حساسة أصلًا؟
لأن ليبيا تحاول التحرك في اتجاهين متناقضين في الوقت نفسه.
من جهة، هناك خطوة سياسية وعسكرية ملموسة نحو التوحيد: الجيشان الليبيان المتنافسان التقيا الشهر الماضي في مدينة سرت وسط البلاد، وأعلنا معًا تشكيل جيش وطني موحد باعتباره المسار الوحيد لاستقرار دائم. هذا اللقاء جزء من دفعة أميركية تقودها ماساد بولس، مستشار الرئيس الأميركي دونالد ترامب لشؤون الشرق الأوسط وأفريقيا، تُعرف باسم "مبادرة بولس"، وتعرض استثمارات نفطية أميركية في ليبيا مقابل تقدم فعلي نحو الوحدة. قوات من الجانبين شاركت أيضًا في تدريبات أميركية مشتركة هذا العام، والأمم المتحدة مستمرة في محاولاتها لإحياء مسار سياسي يوصل إلى انتخابات وتوحيد المؤسسات.
ومن جهة أخرى، الانقسام المؤسسي ما يزال قائمًا فعليًا على الأرض.
حتى المصرف المركزي الليبي عاد هذا الأسبوع إلى واجهة الأزمة بعد تقديم محافظه ناجي عيسى استقالته إلى المؤسستين التشريعيتين المتنافستين، في تذكير بأن المؤسسات التي يفترض أن تكون وطنية ما تزال مضطرة للعمل بين سلطتين.
لا يعني ذلك وجود علاقة بين استقالة المحافظ والاغتيال، ولا بين إعلان سرت للوحدة والاغتيال أيضًا.
لكن الأحداث الثلاثة — إعلان الوحدة في سرت، استقالة محافظ البنك المركزي، واغتيال المنصوري مترافقًا مع ضربات مصفاة الزاوية — تكشف البيئة نفسها:
ليبيا خرجت من الحرب الكبرى من دون أن تنهي الانقسام الذي أنتجته الحرب، وتحاول الآن أن تبني توحدًا مؤسسيًا فوق أرضية أمنية ما تزال هشة بما يكفي لأن تهتز بعبوة واحدة.
ما السيناريو الأخطر؟
ليس بالضرورة أن تبدأ حرب جديدة.
السيناريو الذي يستحق المراقبة أولًا هو رد الأجهزة الأمنية في الشرق.
بعد اغتيال مسؤول استخباراتي بهذا المستوى، يمكن أن نشهد:
تحقيقات واعتقالات واسعة.
إعادة ترتيب داخل المؤسسات الأمنية.
رفع الإجراءات حول القيادات العسكرية.
أو كشف شبكة إذا كانت العملية أكبر من شخص واحد.
لكن كل ذلك ما يزال احتمالًا، وليس معلومة مؤكدة.
أما المؤشر الذي سيغير تقييم القصة جذريًا فهو عملية ثانية مشابهة — أو تكرار لهجمات على بنية تحتية حيوية كالتي استهدفت مصفاة الزاوية.
إذا تبع اغتيال المنصوري استهداف مسؤول أمني آخر أو ظهرت سلسلة عمليات، عندها يمكن الحديث عن نمط جديد.
لماذا تهمنا ليبيا اليوم؟
لأن استقرارها لا يبقى داخل حدودها.
ليبيا واحدة من أكبر منتجي النفط في أفريقيا، وتقع على أحد أهم طرق الهجرة نحو أوروبا، وتتداخل فيها مصالح مصر وتركيا وروسيا ودول خليجية وقوى غربية. وضربات مصفاة الزاوية في اليوم نفسه تذكّر بأن أي اهتزاز أمني في ليبيا يمكن أن ينتقل مباشرة إلى إمدادات الطاقة، لا فقط إلى موازين القوى الداخلية.
وكلما بقيت الدولة منقسمة، أصبح أي خلل أمني قادرًا على التأثير في:
النفط.
الهجرة.
الحدود مع دول شمال أفريقيا والساحل.
وعلاقات القوى الإقليمية ببعضها.
لذلك فإن مقتل مسؤول واحد لا يعني تلقائيًا أزمة إقليمية.
لكن نوع المسؤول ومكان الاغتيال — وتزامنه مع ضربات على بنية تحتية نفطية حيوية — يجعلان العملية أكبر من جريمة محلية عادية.

