إيران تربط فتح مضيق هرمز بلبنان وغزة.. ماذا تريد من الولايات المتحدة؟
طهران تقول إن الاتفاق الفني مع عُمان بشأن الملاحة لن يكون كافيًا لإعادة فتح المضيق، وتربط القرار بشروط تشمل إنهاء الحرب والإفراج عن أموالها ووقف القتال على جبهات إقليمية أخرى — بينما تصر واشنطن على أنها هي من تسيطر على المضيق فعليًا.
ملخص :
كان يمكن أن تبدو القصة بسيطة: إيران وعُمان تتفاوضان على ترتيبات جديدة للملاحة في مضيق هرمز، يتم الاتفاق، ثم تعود السفن. لكن إيران قالت مساء الثلاثاء إن المعادلة ليست بهذه البساطة.
محسن رضائي، الذي عُيّن هذا الأسبوع في قيادة المجلس الأعلى للأمن القومي، قال إن أي اتفاق مع عُمان حول مسار عبور السفن منفصل تمامًا عن قرار إعادة فتح المضيق نفسه، وكرر الموقف ذاته في اليوم التالي أمام السفير الصيني في طهران. (Reuters; Middle East Monitor)
وبحسبه، تريد طهران من الولايات المتحدة تغيير سلوكها وقبول شروط إيرانية تشمل إنهاء الحرب، الإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة، وإنهاء القتال في المنطقة، وذكر تحديدًا لبنان وغزة. تقارير لاحقة نقلت أن قائمة المطالب قد تكون أوسع من ذلك بكثير — تعويضات تصل إلى 300 مليار دولار، وإفراج عن أصول تصل إلى 100 مليار دولار، وإنهاء العقوبات، وانسحاب عسكري أميركي من المنطقة — لكن هذه الأرقام لم تتأكد بعد من مصادر متعددة. (Reuters; Gulf News)
وهنا يتغير معنى أزمة هرمز: إيران لم تعد تستخدم المضيق فقط للتفاوض على أمنها البحري أو الحرب المباشرة معها؛ إنها تحاول استخدام واحد من أهم شرايين الطاقة في العالم كورقة ضغط على شكل التسوية الإقليمية نفسها. وفي المقابل، يرد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بموقف مضاد: البحرية الأميركية، بحسب تصريحاته، تسيطر على المضيق بالكامل بالفعل عبر حصارها البحري — ما يجعل السؤال ليس فقط "ماذا تريد إيران؟" بل أيضًا "من يملك القرار أصلًا؟". (CNBC)
ما الذي تغير اليوم؟
قبل أيام، كانت الأخبار أكثر تفاؤلًا: قالت إيران وعُمان إنهما تقتربان من تفاهم بشأن ترتيبات الملاحة عبر هرمز، وكانت مسقط تعمل وسيطًا في محاولة لإعادة حركة السفن وتقليل خطر المواجهة في الممر. كان من السهل فهم ذلك باعتباره معادلة بسيطة: اتفاق على الملاحة يعني فتح المضيق. (Reuters)
لكن رضائي فصل بين الأمرين: يمكن لإيران أن تتفق مع عُمان على كيفية مرور السفن، وفي الوقت نفسه ترفض السماح بعودة الملاحة الطبيعية حتى تحصل على تنازلات سياسية من واشنطن. بمعنى أبسط، الاتفاق على الطريق لا يعني إعطاء الضوء الأخضر لاستخدامه. (Reuters)
لماذا لبنان وغزة تحديدًا؟
هذا هو الجزء الأهم في القصة. لو كانت الحرب الأساسية بين الولايات المتحدة وإيران فقط، لكان من المنطقي أن يقتصر التفاوض على وقف الهجمات والعقوبات والموانئ الإيرانية وترتيبات هرمز. لكن إدخال لبنان وغزة يوسّع طاولة التفاوض: إيران تقول عمليًا إن الحرب التي بدأت ضدها لا يمكن فصلها عن المواجهات الأخرى الدائرة في المنطقة.
قال رضائي إن الحرب يجب أن تنتهي "في جميع أنحاء المنطقة، بما في ذلك لبنان وغزة" قبل إعادة فتح هرمز وفق الشروط الإيرانية. (Reuters)
وهذه ليست المرة الأولى التي يظهر فيها لبنان داخل معادلة المضيق — بل هي نمط متكرر طوال الأزمة الحالية. فبحسب توثيق علني لتسلسل الأحداث، أُغلق هرمز أول مرة في 4 مارس/آذار 2026 عقب اندلاع الحرب، ثم أُعيد فتحه في 17 أبريل/نيسان وربطت طهران استمرار فتحه صراحة باستمرار وقف إطلاق النار في لبنان، ثم أُغلق مجددًا في يونيو/حزيران بعد استئناف الضربات الإسرائيلية هناك. أي أن الربط بين هرمز ولبنان تأسس منذ شهور، وليس اختراعًا في تصريح الأمس. (Tasnim News)
ما علاقة إيران أصلًا بما يحدث في لبنان؟
لأن لبنان ظل لسنوات أحد أهم ساحات النفوذ الإيراني عبر حزب الله، والحرب الحالية جعلت مستقبل الحزب وسلاحه جزءًا من إعادة تشكيل التوازن الإقليمي. لبنان وإسرائيل اتفقا مؤخرًا على قائمة مختصرة لدول يمكن أن ترسل قوات للمساعدة في التحقق من نزع سلاح حزب الله، ضمن مسار سياسي وأمني تحاول واشنطن دفعه إلى الأمام. (Reuters)
بالنسبة إلى إيران، هذا ليس ملفًا لبنانيًا داخليًا فقط: أي تغيير كبير في وضع حزب الله يعني تغييرًا في أحد أهم أصول النفوذ الإيراني في المشرق. من زاوية استراتيجية بحتة — وهذه قراءة تحليلية وليست تصريحًا إيرانيًا حرفيًا — إذا كانت واشنطن تضغط على أهم أوراق إيران البرية في المنطقة، تستطيع إيران الضغط بالمقابل على واحد من أهم الشرايين البحرية للاقتصاد العالمي.
وماذا عن غزة؟
غزة مختلفة عن لبنان في طبيعة الملف: إيران ليست الطرف الذي يقرر مستقبلها، والمفاوضات الحالية تشمل الولايات المتحدة وإسرائيل وحماس ودولًا عربية وأطرافًا دولية متعددة. لكن غزة تحمل قيمة سياسية كبيرة في خطاب طهران الإقليمي، ولذلك فإن إدخالها ضمن شروط هرمز يرسل رسالة مفادها أن إيران تريد أي اتفاق لإنهاء حربها أن يكون جزءًا من تسوية إقليمية أوسع، لا مجرد اتفاق ثنائي مع واشنطن.
لكن يجب التمييز هنا بين ما تطلبه إيران وما تستطيع تحقيقه فعليًا: اشتراط وقف الحرب في غزة لا يعني أن الولايات المتحدة تستطيع تنفيذ ذلك فورًا، ولا يعني أن إيران تملك قدرة مباشرة على فرض تلك النتيجة. ولهذا فإن توسيع قائمة الشروط قد يجعل الاتفاق أكثر صعوبة بدل أن يقربه.
لماذا يملك مضيق صغير هذه الورقة التفاوضية؟
الجغرافيا أعطته قيمة ضخمة. هرمز يقع بين إيران وعُمان ويربط الخليج العربي ببحر عُمان والمحيط الهندي، ووفق إدارة معلومات الطاقة الأميركية مر عبره في النصف الأول من 2025 نحو 20.9 مليون برميل من النفط والمنتجات النفطية يوميًا، أي ما يعادل نحو 20% من الاستهلاك العالمي للسوائل النفطية، ونحو ربع تجارة النفط المنقولة بحرًا. أضف إلى ذلك نحو 20% من تجارة الغاز الطبيعي المسال عالميًا في 2024، ومعظمها من قطر. (U.S. Energy Information Administration; U.S. Energy Information Administration)
وهذه ليست أرقامًا نظرية من "ما قبل الحرب" فقط: بيانات EIA الأحدث تُظهر أن الحركة الفعلية عبر المضيق تراجعت إلى 14.6 مليون برميل يوميًا في الربع الأول من 2026 — أي بانخفاض قارب 30% خلال عام واحد. هذا هو الفارق الملموس بين "الحركة الطبيعية" و"الحركة أثناء الأزمة"، وهو ما يفسر لماذا يتحول توقف كهذا فورًا إلى قضية اقتصادية عالمية تشمل الصين والهند وكوريا الجنوبية واليابان وأوروبا ودول الخليج وشركات الشحن والتأمين وأسواق الطاقة كلها في وقت واحد. (IER/EIA)
ألا تستطيع السعودية والإمارات تجاوز هرمز؟
جزئيًا فقط. توجد خطوط أنابيب تسمح بإخراج جزء من النفط دون المرور بالمضيق: خط الشرق-الغرب السعودي إلى البحر الأحمر، وخط إماراتي يصل إلى الفجيرة خارج هرمز. لكن EIA تقدر القدرة البديلة المتاحة عبر هذين الخطين بنحو 4.7 ملايين برميل يوميًا فقط — مقارنة بـ20.9 مليون برميل كانت تمر يوميًا عبر المضيق في الظروف الطبيعية. الفارق كبير جدًا، ولا توجد ببساطة "طريق بديلة" قادرة على استيعاب كل ما يمر عبر هرمز إذا بقيت الحركة مقيدة لفترة طويلة. (U.S. Energy Information Administration)
قطر أمام مشكلة أصعب
يمكن نقل جزء من النفط عبر خطوط برية، لكن الغاز الطبيعي المسال القطري أكثر تعقيدًا: صدّرت قطر نحو 9.3 مليارات قدم مكعبة يوميًا من الغاز المسال عبر هرمز في 2024، وكانت المصدر الأساسي لهذا الغاز الذي يمر من المضيق، دون وجود خط أنابيب بديل قادر على نقل هذه الصادرات إلى بحر آخر. لذلك فإن استمرار الأزمة لا يتعلق فقط بأسعار البنزين، بل قد يمتد إلى أسواق الغاز والكهرباء في آسيا أيضًا. (U.S. Energy Information Administration)
لماذا ارتفع النفط مجددًا؟
كانت السوق تراهن جزئيًا على أن المفاوضات ستعيد فتح المضيق. لكن عندما يقول مسؤول إيراني إن اتفاق الملاحة مع عُمان لن يكون كافيًا، تتغير توقعات المستثمرين. قالت Reuters إن أسعار النفط واصلت ارتفاعها بعد التصريحات الإيرانية، بينما تجاوز خام برنت خلال تعاملات الثلاثاء مستوى 90 دولارًا للبرميل قبل أن يتراجع لاحقًا دون ذلك المستوى. هذا لا يعني أن تصريحات رضائي وحدها تحدد السعر — فالسوق تتأثر بالحرب والإمدادات والمخزونات والطلب والعقوبات وعشرات المتغيرات الأخرى — لكن هرمز أصبح الآن أحد أهم هذه المتغيرات. (Reuters)
مفارقة اليوم: الوسطاء يتحدثون عن اقتراب، وطهران ترفع السقف
قبل ساعات من الموقف الإيراني الجديد، كانت باكستان، إحدى الدول الوسيطة إلى جانب قطر، تقول إن الإشارات خلال اليومين أو الثلاثة الماضية توحي بأن واشنطن وطهران تقتربان من "نوع من الترتيب". أي أن لدينا في اليوم نفسه رسالتين متعاكستين: الوسطاء يقولون إن الاتفاق يقترب، بينما تقول طهران إن حتى اتفاق هرمز لن يفتح هرمز ما لم تتحقق الشروط السياسية الأخرى. هذا لا يعني بالضرورة أن المفاوضات انهارت، لكنه يعني أن كلمة "اتفاق" نفسها تحتاج تفسيرًا دقيقًا — فقد تتفق الأطراف على جزء من الأزمة دون حل الأزمة كلها. (Reuters)
وماذا تريد واشنطن؟
المعادلة الأميركية ليست بسيطة أيضًا. فرضت الولايات المتحدة حصارًا بحريًا على السفن المتجهة إلى الموانئ الإيرانية، وأعادت فرضه في يوليو بعد انهيار اتفاق الهدنة الذي تم التوصل إليه في يونيو. وفي المقابل، أضاف الرئيس الأميركي دونالد ترامب مطلبًا جديدًا يتعلق بالحصول على تعويضات من إيران عن أضرار قال إنها نتجت عن أعمالها خلال العقود الماضية، وقال الاثنين إن الولايات المتحدة ستطلب أموالًا عن أضرار تمتد إلى 50 عامًا، تشمل ضحايا هجمات مثل تفجير المدمرة الأميركية USS Cole عام 2000 ومحتجين إيرانيين قال إن نظام بلادهم قتلهم. (Reuters; Al Jazeera)
وفي تصريح منفصل، قال ترامب إن البحرية الأميركية تسيطر على مضيق هرمز "بنسبة 100%" عبر حصارها البحري — وهو ادعاء يتناقض مباشرة مع الموقف الإيراني القائل إن طهران هي من تقرر إعادة فتح المضيق من عدمه. (CNBC)
إذن الطرفان يفعلان الشيء نفسه تقريبًا من ناحية تكتيكية: كلما اقترب التفاوض، تظهر مطالب جديدة. إيران توسّع النقاش إلى لبنان وغزة والأصول المجمدة وربما التعويضات الضخمة، وواشنطن توسّع مطالبها إلى التعويضات وتصر على أنها هي المسيطرة أصلًا. وهذا يفسر لماذا يمكن أن يكون الاتفاق "قريبًا" وفي الوقت نفسه بعيدًا جدًا.
لماذا هذه القصة مهمة للأردن والمشرق؟
لأن ربط هرمز بلبنان وغزة يعني أن ملفات المنطقة لم تعد تتحرك بصورة مستقلة: ما يحدث في الخليج يمكن أن يصبح ورقة في لبنان، وما يحدث في لبنان يدخل مفاوضات واشنطن وطهران، وغزة تدخل بدورها معادلة الملاحة والطاقة. الأردن نفسه تعرض خلال الحرب لهجمات إيرانية ضمن سلسلة ضربات طالت بنى وأصولًا أميركية وإقليمية، بحسب Reuters. (Reuters)
والأثر الاقتصادي أوسع من ذلك: أي ارتفاع مستدام في أسعار الطاقة والنقل يمكن أن ينتقل إلى الدول المستوردة للطاقة عبر الوقود والشحن وكلفة الإنتاج والأسعار. مضيق يبعد مئات الكيلومترات عن الأردن يمكن أن يصل أثره في النهاية إلى فاتورة النقل والكهرباء والسلع — لكن حجم هذا الأثر يعتمد على مدة الأزمة والأسعار والسياسات المحلية، ولا يمكن تحديده من التصريحات وحدها.
الخطر الحقيقي: أن يصبح هرمز رهينة كل الملفات
إذا كان فتح هرمز يحتاج فقط إلى اتفاق بحري، تستطيع الدبلوماسية التركيز على مشكلة محددة. لكنه أصبح مرتبطًا بالحرب الأميركية الإيرانية، والأصول الإيرانية المجمدة، والحصار الأميركي للموانئ، ولبنان، وغزة، والتعويضات الأميركية، وربما تعويضات إيرانية مضادة — وهذا يعني أن حل المضيق أصبح مرتبطًا بحل عدة نزاعات في وقت واحد، ما يرفع عدد النقاط التي يمكن أن يفشل عندها الاتفاق. بعبارة أخرى: كل ملف جديد يوضع على طاولة هرمز يجعل الورقة الإيرانية أقوى تفاوضيًا، لكنه قد يجعل الوصول إلى اتفاق أصعب أيضًا.

