سوريا تستعيد حميميم وطرطوس من روسيا.. لماذا ستبقى قوات روسية رغم ذلك؟
بعد 18 شهرًا من المفاوضات، دمشق تستعيد السيطرة المدنية على منشآت كانت تحت النفوذ الروسي، وتسمح ببقاء وجود عسكري روسي محدود داخل مراكز تدريب مشتركة — في الأسبوع نفسه الذي حكمت فيه محكمة سورية بإعدام بشار الأسد غيابيًا.
ملخص :
قبل أقل من عامين، كان السؤال: هل ستطرد سوريا الجديدة روسيا بعد سقوط بشار الأسد؟ الجواب أصبح أوضح الآن: لا، لكنها لن تسمح لها بالبقاء بالطريقة القديمة أيضًا.
سوريا وروسيا توصلتا إلى مذكرة تعيد تنظيم الوجود الروسي في حميميم وطرطوس. دمشق ستستعيد إدارة المنشآت المدنية، بينما تتحول الأجزاء العسكرية إلى مراكز تدريب سورية روسية مشتركة، وسيبقى بعض العسكريين الروس في البلاد. وفي اليوم نفسه الذي أكدت فيه موسكو الاتفاق، أصدرت محكمة سورية حكمًا غيابيًا بإعدام بشار الأسد بتهم القتل والتعذيب والاعتقال التعسفي — تذكير حاد بأن ملف "الأسد" وملف "روسيا" لم يعودا الملف نفسه بالنسبة لدمشق. ([Reuters][2])
أي أن سوريا لا تلغي علاقتها مع روسيا. هي تعيد كتابة شروطها، بينما تحاسب في الوقت نفسه الرجل الذي جلب روسيا إلى البلاد أساسًا.
لماذا هذا الاتفاق مهم لهذه الدرجة؟
لأن حميميم وطرطوس لم تكونا مجرد قاعدتين. منذ تدخل روسيا العسكري في سوريا عام 2015، أصبحت حميميم مركز القوة الجوية الروسية في البلاد، بينما وفرت طرطوس لموسكو منفذًا عسكريًا مباشرًا على البحر المتوسط — وهي منشأة الصيانة والإمداد البحري الروسي الوحيدة هناك. أما حميميم فاستخدمتها موسكو أيضًا كنقطة انطلاق نحو عملياتها ومصالحها في أفريقيا.
بمعنى آخر، سوريا أعطت روسيا شيئًا نادرًا جدًا: وجودًا عسكريًا دائمًا تقريبًا في قلب المتوسط — عبر اتفاقين وقّعا في عهد الأسد: تصريح دائم مجاني لاستخدام حميميم عام 2016، وعقد إيجار مدته 49 عامًا قابل للتجديد 25 عامًا إضافية لطرطوس عام 2017. ثم سقط النظام الذي أعطاها هذا الوجود.
وكان من الممكن أن تخسر روسيا كل شيء
عندما سقط بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024 وفرّ إلى روسيا، كان مستقبل القاعدتين أحد أكبر الأسئلة الجيوسياسية في سوريا الجديدة. أظهرت صور الأقمار الصناعية وقتها روسيا تنقل معدات عسكرية وتعيد ترتيب قواتها في حميميم، بينما غادرت سفن من أسطولها طرطوس ورست قبالة الساحل. كان السيناريو المنطقي بسيطًا: النظام الذي استضاف روسيا سقط، والقوة التي أطاحت به كانت روسيا تقصفها قبل سنوات — إذن الروس سيغادرون. لكن ذلك لم يحدث.
لماذا لم تطردهم حكومة أحمد الشرع؟
لأن السياسة بعد الحرب لا تعمل دائمًا بمنطق "كنت عدوي، إذن ستبقى عدوي". الرئيس السوري أحمد الشرع قال قبل الاتفاق إن دمشق تريد الحفاظ على الأجزاء من علاقتها التاريخية مع موسكو التي تخدم المصلحة السورية، مع "تصحيح مسار" العلاقة.
وهنا تغيرت المعادلة: روسيا لم تعد الدولة التي تدافع عن الأسد وتستخدم سوريا كمنصة عسكرية شبه منفردة، لكنها ما تزال عضوًا دائمًا في مجلس الأمن، وقوة عسكرية كبرى، وموردًا مهمًا للطاقة، وشريكًا تستطيع دمشق استخدام علاقتها معه لتجنب الارتهان الكامل لمعسكر دولي واحد. وجدت Reuters في مايو أن روسيا أصبحت المورد الرئيسي للنفط إلى سوريا رغم التحول السياسي السوري باتجاه الغرب. العلاقة إذن لم تختف، بل تغير سبب وجودها.
ماذا استعادت سوريا فعليًا؟
وفق الإعلان السوري، ستبدأ الدولة في إدارة المنشآت ذات الطبيعة المدنية، ويشمل ذلك خصوصًا مطار حميميم والرصيف التجاري الرابع في ميناء طرطوس، على أن تُدمج هذه المنشآت تدريجيًا في الإدارة المدنية السورية خلال فترة لا تتجاوز ثلاثة أشهر. وهذه نقطة سيادية مهمة: المنشأة التي كانت تُدار ضمن فضاء عسكري روسي ستصبح، في جزئها المدني، تحت إدارة الدولة السورية. لكن هذا لا يعني أن العلم الروسي سيختفي بالكامل من المكان.
ماذا سيبقى لروسيا؟
الأجزاء العسكرية لن تستمر بصيغتها السابقة كقواعد روسية منفردة؛ بحسب الاتفاق، ستُعاد صياغة وظيفتها لتصبح مراكز تدريب وتأهيل مشتركة. نقلت Reuters مباشرة عن مصدر سوري مطلع أن قوات روسية ستبقى متمركزة في مراكز التدريب الجديدة، دون تفاصيل عن عددها. روسيا خسرت الامتياز القديم، لكنها احتفظت بموطئ القدم — وهناك فرق هائل بين الاثنين.
هذا التفصيل يفسر أيضًا سبب انقسام التغطية الدولية للاتفاق: بعض الوسائل قدمته كخروج فعلي لروسيا من قواعدها العسكرية، بينما ركزت أخرى على استمرارية وجودها عبر صيغة "المراكز المشتركة". الوصف الأدق هو أن كلا الأمرين صحيح جزئيًا: روسيا لم تعد تملك "قواعد" بالمعنى القديم، لكنها لم ترحل أيضًا.
لماذا تقبل روسيا بتقليص نفوذها بدل الرحيل؟
لأن البديل أسوأ: إذا رفضت موسكو إعادة التفاوض، كان بإمكانها أن تخسر وجودها السوري بالكامل. أما النموذج الجديد فيمنحها ثلاثة أشياء مهمة: استمرار وجود عسكري في شرق المتوسط، والاحتفاظ بعلاقة مع دمشق الجديدة بدل ترك سوريا بالكامل للولايات المتحدة أو أوروبا أو تركيا أو دول الخليج، وإبقاء بنية يمكن توسيع التعاون حولها مستقبلًا إذا تحسنت العلاقة. بمعنى آخر، روسيا قبلت بقاعدة أصغر حتى لا تخسر الخريطة كلها — وهو ما يفسر أيضًا سبب إعلانها في التوقيت نفسه إعادة فتح "البيت الروسي"، مركزها الثقافي في دمشق، كإشارة تطبيع إضافية تتجاوز ملف القواعد وحده.
لكن هناك تحول أعمق هنا
في عهد الأسد، كان السؤال غالبًا: ماذا تريد روسيا من سوريا؟ الآن تحاول دمشق قلب السؤال: ماذا تستطيع سوريا الحصول عليه من روسيا مقابل السماح لها بالبقاء؟ وهذا يفسر صيغة "المراكز المشتركة": فإذا كان الوجود الروسي يقدم تدريبًا أو تأهيلًا أو معدات أو طاقة أو نفوذًا دبلوماسيًا، يمكن للحكومة السورية أن تقدمه داخليًا باعتباره علاقة بين دولتين، لا قاعدة أجنبية تدير مساحة سورية بصورة منفصلة. وهذه ربما أهم دلالة سياسية في الاتفاق.
وماذا عن بشار الأسد؟
هنا تظهر واحدة من أوضح مفارقات العلاقة الجديدة، وقد اتضحت أكثر هذا الأسبوع تحديدًا. بشار الأسد موجود في روسيا التي منحته اللجوء، والحكومة السورية الجديدة أطاحت به. ومع ذلك تتفاوض دمشق مع موسكو وتسمح ببقاء جنود روس — وفي اليوم نفسه الذي أكدت فيه روسيا الاتفاق (11 أغسطس)، أصدرت محكمة سورية حكمًا غيابيًا بإعدام الأسد، بعد إدانته بجرائم شملت القتل والتعذيب والاعتقال التعسفي خلال نحو 14 عامًا من الحرب. ([Reuters][2])
هذا التزامن يوضح بجلاء أن ملف الأسد والعلاقة السورية الروسية ليسا الملف نفسه. دمشق لديها خلافات عميقة مع موسكو حول إرث الحرب ومسؤولية النظام السابق — بل تحاسب الرجل الذي احتمت به موسكو بحكم إعدام رسمي — لكن لديها أيضًا مصالح حالية معها. والدول تستطيع أن تتخاصم حول الماضي وتتعاون حول المستقبل في الوقت نفسه، وهذا الأسبوع قدّم أوضح مثال ممكن على ذلك.
سوريا أيضًا لا تتحول إلى "المعسكر الروسي"
خلال الفترة نفسها، حسنت دمشق علاقاتها مع الولايات المتحدة وأوروبا والدول العربية: رفعت الولايات المتحدة معظم العقوبات، بينما زار الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون سوريا في يوليو/تموز وأُعلنت استعادة العلاقات الدبلوماسية الفرنسية السورية بعد 14 عامًا. تحدث الشرع نفسه عن بناء علاقات متوازنة مع القوى الكبرى، وأشار إلى مصالح مشتركة مع الغرب في التجارة والاستثمار والأمن.
إذن الاتفاق الروسي لا يعني أن سوريا عادت إلى موسكو. الأقرب أنه يعني أن دمشق تريد موسكو وواشنطن وأوروبا والعرب معًا، لكن بشروط سورية أكثر من السابق.
وهذا مختلف جدًا عن سوريا الأسد
في سنوات الحرب، أصبحت علاقة دمشق بموسكو علاقة اعتماد شبه وجودي: التدخل الروسي عام 2015 ساعد نظام الأسد على البقاء واستعادة مناطق واسعة، فامتلكت موسكو نفوذًا عسكريًا وسياسيًا ضخمًا. الحكومة الجديدة لا تدين ببقائها لروسيا، بل على العكس، وصلت إلى دمشق بعد انهيار النظام الذي دعمته روسيا — وهذا يعطيها قدرة تفاوضية لم تكن موجودة سابقًا. لأول مرة منذ سنوات، روسيا تحتاج إلى موافقة دمشق كي تحافظ على وجودها أكثر مما تحتاج دمشق إلى روسيا كي تحافظ على النظام. وهذا هو التحول الحقيقي.
لكن هل استعادت سوريا سيادتها بالكامل؟
ليس بهذه البساطة. استعادة إدارة منشآت مدنية وتحويل القواعد إلى مراكز مشتركة تعطي دمشق سيطرة أكبر مما كانت عليه سابقًا، لكن وجود قوات أجنبية يبقى وجودًا عسكريًا أجنبيًا. والسؤال سيكون في التفاصيل التي لم تُنشر بالكامل بعد: من يملك القرار داخل المراكز المشتركة؟ كم عدد القوات الروسية؟ ما نوع الأسلحة التي ستبقى؟ هل تستطيع روسيا استخدام المنشآت لعمليات خارج سوريا؟ من يسيطر على المجال الجوي؟ وكم تستمر الاتفاقية؟ هذه الأسئلة هي التي ستحدد ما إذا كان الاتفاق يمثل إنهاء القواعد الروسية فعليًا أم إعادة تسميتها وترتيبها بصورة مختلفة.
لماذا تهم هذه القصة المنطقة؟
لأن سوريا أصبحت واحدة من أكثر ساحات إعادة توزيع النفوذ أهمية في المشرق. هناك مصالح روسية وأميركية وتركية وإسرائيلية وخليجية وأوروبية، وكل طرف يريد علاقة مع دمشق الجديدة. إذا استطاعت سوريا الاحتفاظ بعلاقات مع جميع هذه القوى من دون أن تصبح تابعة لأي واحدة منها، فقد تبني سياسة خارجية مختلفة جذريًا عن السنوات الأخيرة من حكم الأسد. أما إذا تحولت المنافسة بين القوى الخارجية إلى صراع نفوذ جديد داخل سوريا، فقد تصبح القواعد والموانئ والاستثمارات أدوات تنافس مرة أخرى. ولهذا فإن حميميم وطرطوس ليستا قصة روسية فقط، بل اختبار مبكر لطريقة إدارة سوريا الجديدة لعلاقتها مع القوى الكبرى.

