إمام أوغلو يترك حزب الشعب الجمهوري وينضم إلى الحزب الجديد.. ماذا يحدث للمعارضة التركية؟
أبرز منافسي أردوغان يغادر من داخل السجن الحزب الذي مثّله 17 عامًا، بعد تدخل قضائي أطاح بقيادته. المعارضة قد تكون أمام إعادة تأسيس كاملة قبل انتخابات 2028.
ملخص :
لماذا يعتبر خروج إمام أوغلو حدثًا كبيرًا؟
إمام أوغلو ليس نائبًا عاديًا. فوزه برئاسة بلدية إسطنبول جعله أحد أبرز الوجوه السياسية القادرة على تحدي أردوغان، ثم أعيد انتخابه في انتخابات 2024. وبعد اعتقاله في مارس/آذار 2025، اختاره أعضاء حزب الشعب الجمهوري مرشحًا للحزب في الانتخابات الرئاسية المقبلة عبر تصويت داخلي جرى أيامًا بعد اعتقاله.
إسطنبول تحديدًا تحمل وزنًا سياسيًا رمزيًا ضخمًا. أردوغان نفسه بنى جزءًا مهمًا من صعوده السياسي من رئاسة بلديتها في التسعينيات. ولهذا كان صعود إمام أوغلو فيها يُقرأ داخل تركيا بوصفه أكثر من انتصار بلدي؛ كان إثباتًا أن مرشحًا معارضًا يستطيع هزيمة حزب أردوغان في أهم مدينة في البلاد.
ثم جاء مارس 2025
اعتُقل إمام أوغلو في اليوم التالي لإلغاء جامعة إسطنبول شهادته الجامعية — وهي وثيقة مطلوبة قانونيًا للترشح للرئاسة — بحجة مخالفات في لوائح مجلس التعليم العالي. التهم الموجهة إليه أوسع مما تصفه عبارة "قضايا فساد" وحدها: فهي تشمل الفساد، ومساعدة حزب العمال الكردستاني الذي تصنفه تركيا وحلفاؤها الغربيون تنظيمًا إرهابيًا، وقيادة تنظيم إجرامي — وهي تهم قد تصل عقوباتها إلى عقود من السجن. إمام أوغلو ينفي جميع هذه التهم، وهو محتجز منذ ذلك الوقت بانتظار المحاكمة.
المعارضة ومنظمات حقوقية ترى أن سلسلة القضايا ضد إمام أوغلو ومسؤولين في حزب الشعب الجمهوري ذات دوافع سياسية. الحكومة التركية ترفض هذا الاتهام وتقول إن القضاء مستقل وإن القضايا تتعلق بمخالفات قانونية وليست المنافسة السياسية.
وهنا يجب الحفاظ على الفرق: التوقيف والإجراءات القضائية حقائق. أما القول إنها جزء من خطة حكومية لإقصاء المعارضة فهو اتهام سياسي وحقوقي متنازع عليه، وليس حقيقة قضائية مثبتة.
لكن الأزمة لم تتوقف عند إمام أوغلو
في 21 مايو/أيار جاءت الضربة الأكبر للحزب نفسه. محكمة استئناف تركية أبطلت المؤتمر الثامن والثلاثين لحزب الشعب الجمهوري، الذي كان قد انتخب أوزغور أوزيل رئيسًا للحزب، وأزاحت القيادة التنفيذية، ثم أعادت سلفه كمال كليتشدار أوغلو إلى رئاسة الحزب. استندت المحكمة إلى اتهامات بوجود مخالفات في المؤتمر الحزبي، بينما اعتبرت المعارضة القرار تدخلًا قضائيًا في إرادة أعضاء الحزب.
هذه لم تكن مشكلة إدارية صغيرة. أوزيل كان يقود الحزب عندما حققت المعارضة تقدمًا قويًا في انتخابات البلديات عام 2024. وإعادته بالقوة خارج قيادة الحزب فجرت سؤالًا وجوديًا: هل يبقى أنصاره داخل حزب الشعب الجمهوري ويحاولون استعادته، أم يبنون شيئًا جديدًا؟
واختاروا شيئًا جديدًا
في 24 يوليو/تموز 2026 تأسس رسميًا الحزب الجديد بقيادة أوزيل و90 نائبًا منشقًا، بهدف إعادة تجميع جناح المعارضة الذي كان يقود حزب الشعب الجمهوري قبل قرار المحكمة. مع عدد النواب الذين انتقلوا إليه، أصبح الحزب الجديد بالفعل ثاني أكبر حزب في البرلمان التركي بواقع 91 مقعدًا، مقابل تراجع حزب الشعب الجمهوري إلى 44 مقعدًا فقط من أصل 600، بينما يحتفظ حزب العدالة والتنمية الحاكم بـ277 مقعدًا.
ثم جاء القرار الذي كان ينقصه: إمام أوغلو نفسه انضم إليهم، وكتب في منشور مباشر خاطب فيه أنصاره: "أنا أستقيل من عضويتي التي استمرت 17 عامًا في حزب الشعب الجمهوري"، مضيفًا: "اليوم، نفتح طريقًا جديدًا لبناء مستقبل أقوى وأكثر ديمقراطية وأملًا لتركيا". هذا يمنح الحزب الجديد ليس فقط كتلة نيابية، بل أيضًا أبرز اسم انتخابي في المعارضة.
إذن هل مات حزب الشعب الجمهوري؟
لا. حزب الشعب الجمهوري ما يزال موجودًا قانونيًا وسياسيًا، وهو الحزب التاريخي الذي أسسه مصطفى كمال أتاتورك ويحمل إرث الجمهورية التركية والعلمانية الكمالية. كما أن جزءًا من ناخبيه وقياداته يمكن أن يبقى داخله.
لكن لدينا اليوم حالة غير عادية: الحزب التاريخي باقٍ، لكن جزءًا كبيرًا من القيادة التي حققت نجاحات انتخابية حديثة غادره، وأهم مرشح رئاسي مرتبط به غادره أيضًا، وتراجع تمثيله البرلماني إلى 44 مقعدًا فقط. إذن اسم حزب الشعب الجمهوري قد يبقى، لكن السؤال هو ما إذا كانت قاعدته الانتخابية ستبقى معه.
وهل يستطيع إمام أوغلو الترشح أصلًا؟
هذه واحدة من أكبر المجهولات. من ناحية سياسية، الحزب الجديد يستطيع تبنيه مرشحًا. لكن إمام أوغلو ما يزال مسجونًا ويواجه قضايا متعددة قد تصل عقوباتها إلى عقود من السجن، كما أُلغيت شهادته الجامعية التي تُعد شرطًا دستوريًا للترشح للرئاسة.
إذن المعارضة تستطيع تسميته مرشحها، لكن قدرتها على وضع اسمه فعليًا على ورقة الاقتراع ستعتمد على نتائج مسارات قضائية منفصلة. وهذا يجعل الانتخابات التركية المقبلة ليست فقط سباق أصوات؛ قد تصبح أيضًا سباق محاكم.
كيف يمكن أن يستفيد أردوغان من الانقسام؟
الحساب بسيط: إذا كان الناخب المعارض ينقسم بين حزب الشعب الجمهوري القديم والحزب الجديد وأحزاب أخرى، فمن الممكن أن يصبح من الأسهل على أردوغان وحزب العدالة والتنمية مواجهة معارضة مشتتة. تشير Reuters إلى أن الانقسام الأوسع داخل المعارضة قد يحسن فرص أردوغان في تمديد حكمه المستمر منذ أكثر من عقدين.
لكن هذا مجرد سيناريو، لأن الحزب الجديد يمكن أن يحقق النتيجة المعاكسة: إذا انتقلت إليه غالبية ناخبي حزب الشعب الجمهوري وأصبحت القيادة القديمة معزولة سياسيًا، فقد يحدث توحيد سريع للمعارضة تحت اسم جديد بدل تقسيمها — والأرقام الحالية (91 مقعدًا مقابل 44) تشير إلى أن هذا الاتجاه هو الأرجح حتى الآن.
بعبارة أخرى: المحكمة قد تكون غيّرت اسم الخصم أكثر مما ألغته
وهنا المفارقة الرئيسية. قرار القضاء أعاد كليتشدار أوغلو إلى قيادة حزب الشعب الجمهوري، لكن إذا خرج أوزيل وإمام أوغلو والنواب والناخبون إلى الحزب الجديد، يمكن أن تصبح النتيجة أن حزب الشعب الجمهوري يحتفظ بالتاريخ والاسم بينما يحتفظ الحزب الجديد بالمعارضة الفعلية. إن حدث ذلك، تكون محاولة استعادة القيادة القديمة قد أدت عمليًا إلى ولادة حزب منافس جديد. لكن ما إذا كان الجمهور سيتحرك بهذه الطريقة لا يمكن الجزم به الآن.
ولماذا لا يزال كليتشدار أوغلو مهمًا؟
لأنه ليس شخصية هامشية. هو المرشح الذي واجه أردوغان في انتخابات 2023 وخسر الجولة الثانية، ثم خسر قيادة حزب الشعب الجمهوري لصالح أوزيل لاحقًا. إعادته إلى الحزب بالقضاء تعيد أيضًا صراعًا قديمًا حول اتجاه المعارضة: هل تستمر باستراتيجية أوزيل وإمام أوغلو، أم تعود إلى القيادة التي خسرت انتخابات 2023؟ هذا الصراع ليس فقط شخصيًا؛ إنه صراع على سؤال كيف تُهزم منظومة أردوغان انتخابيًا.
ماذا يعني ذلك لمسار السلام الكردي؟
هذا ملف آخر يستحق المراقبة. أقرت تركيا قبل أيام قانونًا كبيرًا لتسهيل تفكيك حزب العمال الكردستاني وإعادة دمج بعض عناصره، بدعم من حزب أردوغان والقوميين وحزب DEM المؤيد للقضية الكردية.
وفي مايو انتقد DEM بشدة قرار القضاء إزاحة قيادة حزب الشعب الجمهوري، معتبرًا أن قيادة الأحزاب يجب أن يحددها أعضاؤها وليس المحاكم، كما حذر من أثر الضغوط السياسية على البيئة الديمقراطية ومسار السلام. إذا اقتربت انتخابات مبكرة، قد يصبح صوت الناخب الكردي مرة أخرى من أهم العوامل التي تحدد من يستطيع منافسة أردوغان، ولهذا فإن طريقة تعامل الحزب الجديد مع DEM والقضية الكردية ستكون جزءًا أساسيًا من مستقبله.
ولماذا يجب أن يهتم الجمهور العربي؟
لأن نتيجة الصراع السياسي التركي لا تبقى داخل تركيا. أنقرة لاعب مباشر في سوريا والعراق والقضية الكردية وشرق المتوسط والناتو والعلاقات الدفاعية الجديدة مع دول عربية وإقليمية، كما أصبحت تركيا خلال أغسطس طرفًا في ميثاق دفاع جديد مع السعودية وباكستان، بالتوازي مع توسع نفوذها الأمني الإقليمي.
أي انتقال سياسي مستقبلي من أردوغان إلى قيادة أخرى يمكن أن يغير أسلوب تركيا الخارجي، حتى لو لم يغير مصالحها الأساسية بالكامل. ولذلك فإن سؤال من يستطيع هزيمة أردوغان هو أيضًا سؤال عن أحد أهم اللاعبين في مستقبل المشرق.
هل الانتخابات فعلًا قريبة؟
الموعد الرسمي هو 2028، لكن Reuters تقول إن إمكانية إجراء انتخابات مبكرة ما تزال قائمة. وهذا يجعل الحزب الجديد أمام سباق مع الزمن: يحتاج إلى تنظيم فروعه، وتحديد قيادته، وتجميع الناخبين، وبناء هوية تختلف عن حزب الشعب الجمهوري لكن لا تخسر جمهوره، وحسم السؤال الأصعب — من هو مرشحه إذا بقي إمام أوغلو غير قادر قانونيًا على الترشح؟
ماذا لا نعرف بعد؟
لا نعرف كم من ناخبي حزب الشعب الجمهوري سيغادرون وراء إمام أوغلو وأوزيل، ولا ما إذا كان مزيد من النواب سينتقلون للحزب الجديد، ولا نتيجة محاكمات إمام أوغلو، ولا مصير إلغاء شهادته الجامعية، ولا ما إذا كانت الانتخابات ستُجرى في 2028 أم قبل ذلك. كما لا نعرف إن كان الحزب الجديد سيجذب فقط جمهور حزب الشعب الجمهوري الحالي أم يستطيع الوصول إلى محافظين وأكراد وناخبين مترددين يحتاجهم أي مرشح للفوز بالرئاسة. هذه الأسئلة هي التي ستحدد إن كان ما يحدث انشقاقًا أم إعادة تأسيس كاملة للمعارضة التركية.
ماذا نراقب الآن؟
أول مؤشر هو انتقال النواب ورؤساء البلديات: إذا تبع إمام أوغلو عدد كبير من السياسيين المحليين، سيصبح من الصعب التعامل مع الحزب الجديد باعتباره انشقاقًا صغيرًا. المؤشر الثاني هو استطلاعات الرأي الأولى بعد انتقاله. الثالث هو الموقف القانوني من ترشحه للرئاسة. والرابع هو قرار المعارضة حول التعامل مع الأحزاب الكردية وبقية القوى المناهضة لأردوغان.
فالسؤال لم يعد هل يستطيع حزب الشعب الجمهوري هزيمة أردوغان؛ بعد قرار إمام أوغلو، ربما أصبح السؤال هل سيبقى حزب الشعب الجمهوري أصلًا هو الحزب الذي سيحاول.

