وزير الدفاع الإسرائيلي: "نُدمّر كل البيوت" في جنوب لبنان... رغم وقف إطلاق النار
بعد أربعة أشهر على وقف إطلاق النار، يعلن إسرائيل كاتس بقاء القوات الإسرائيلية في لبنان وسوريا وغزة إلى أجل غير مسمى، في تصريحات وصفتها بيروت بـ"انتهاك القانون الدولي" ورفضتها واشنطن نفسها علنً
ملخص :
منذ منتصف أبريل الماضي، يُفترض أن جنوب لبنان يعيش في ظل وقف لإطلاق النار برعاية أمريكية أنهى أشهرًا من القتال بين إسرائيل و"حزب الله". لكن تصريحات صدرت الأربعاء الماضي عن وزير الدفاع الإسرائيلي إسرائيل كاتس، خلال زيارة ميدانية للمنطقة، تكشف واقعًا مختلفًا تمامًا عمّا توحي به كلمة "هدنة": فقد قال كاتس، بحسب ما نقلته عدة وسائل إعلام مستقلة، إن "الخط الأول بأكمله من القرى اللبنانية دُمّر"، وإن القوات الإسرائيلية "تدمّر كل البيوت" و"تدمّر البنية التحتية تحت الأرض"، مضيفًا أن سكان هذه القرى "لن يروها قائمة أمام أعينهم مرة أخرى".
لم يتوقف كاتس عند جنوب لبنان: فقد أكد أن إسرائيل "لن تنسحب بأي شكل من المناطق الأمنية، لا في لبنان، ولا في سوريا، ولا في غزة" — تصريح يمس مباشرة ثلاث ساحات إقليمية في آنٍ واحد، ويضع علامة استفهام كبيرة أمام مسار التفاوض الذي استغرق أشهرًا للوصول إلى إطار وقف إطلاق النار الحالي.
ما الذي قاله كاتس بالضبط، ولماذا يهم
بحسب "تايمز أوف إسرائيل" و"الجزيرة" و"ذا نيو أراب" و"فلسطين كرونيكل"، فإن كاتس زار جنوب لبنان يوم الأربعاء 12 أغسطس/آب 2026، وأصدر تعليمات لأركان الجيش الإسرائيلي بـ"اتخاذ جميع الخطوات اللازمة للاستعداد لوجود طويل الأمد" في المنطقة التي تمتد، بحسب تقرير واحد على الأقل، نحو 10 كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية.
ما يجعل هذه التصريحات لافتة ليس فقط مضمونها، بل كونها صادرة عن مسؤول رسمي رفيع المستوى يصف علنًا وبلغة مباشرة عملية هدم واسعة، في وقت من المفترض أن تكون فيه الهدنة قد أوقفت مثل هذه العمليات. الفجوة بين كلمة "وقف إطلاق نار" وبين وصف الوزير نفسه لما يجري على الأرض هي جوهر هذه القصة.
بيروت: "انتهاك جسيم" للقانون الدولي
ردّ رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام، بحسب "الجزيرة" (13 أغسطس/آب 2026)، بوصف "الهجمات والتوغلات وعمليات الهدم والتدمير الممنهج للمنازل" بأنها "تمثل انتهاكًا جسيمًا لمبادئ وقواعد القانون الدولي". ورفض سلام تبرير إسرائيل لعمليات الهدم بدعوى أن القرى المستهدفة "منشآت عسكرية"، قائلاً إن هذا التبرير "لا يستقيم مع أي منطق ولا يمكن استخدامه كذريعة".
ونقلت وكالة الأنباء الوطنية اللبنانية (الرسمية) أن الجيش الإسرائيلي هدم مبانٍ بلدية ومدارس وعيادات صحية ودور حضانة ومنازل في بلدة زوطر الشرقية، ضمن نمط موثّق في عدة قرى جنوبية. كما أفاد عناصر إطفاء، بحسب تقرير واحد، بأن ما بين 30% و40% من الغابات في المناطق الأمامية قد تضررت بالحرائق، وسط اتهامات — لم تُتحقق منها مصادر مستقلة بعد — باستخدام طائرات مسيّرة إسرائيلية وذخائر فوسفورية. هذه النقطة الأخيرة لا تزال في خانة "مزعوم" وتحتاج تأكيدًا مستقلاً قبل اعتمادها كحقيقة.
واشنطن نفسها تُعلّق: "لا يتفق مع الالتزامات"
في مؤشر على حجم الإحراج الذي تسببت به تصريحات كاتس، ردّ مسؤول في وزارة الخارجية الأمريكية، بحسب "تايمز أوف إسرائيل"، بالقول إن "الوجود العسكري الدائم في جنوب لبنان لا يتفق مع الالتزامات الواردة في الإطار [التفاوضي]"، مضيفًا أن واشنطن "تتوقع من جميع الأطراف التصرف بما يتسق مع الإطار الذي اتفقوا عليه"، وأن "إسرائيل أعلنت بوضوح أنها لا تملك أي طموح إقليمي في لبنان".
هذا الرد الأمريكي، رغم أنه لم يصدر عن مسؤول باسمه الصريح، يمثل تناقضًا علنيًا بين ما يقوله وزير دفاع إسرائيلي وبين الموقف الرسمي الذي التزمت به حكومته أمام الوسيط الأمريكي نفسه.
هدنة على الورق منذ أبريل... فماذا تغيّر؟
بدأ وقف إطلاق النار الحالي رسميًا في 17 أبريل/نيسان 2026، وتوصل الطرفان إلى اتفاق إطار أوسع في يونيو/حزيران 2026 بعد سبع جولات تفاوض (أربع في واشنطن وثلاث في روما)، وسط حديث عن جولة جديدة مرتقبة في روما مطلع سبتمبر/أيلول المقبل. لكن القوات الإسرائيلية، بحسب التقارير المتاحة، لا تزال تحتل عشرات القرى في جنوب لبنان دون أي جدول زمني معلن للانسحاب — وهو ما يفسّر جزئيًا سبب اعتبار تصريحات كاتس هذا الأسبوع تصعيدًا في الخطاب، لا مجرد استمرار لواقع قائم.
تفيد تقارير، لم تُراجَع بعد مقابل بيانات أممية رسمية ضمن هذا البحث، بأن نحو 4,333 شخصًا قُتلوا منذ تصاعد العمليات الإسرائيلية في مارس/آذار 2026، وأن أكثر من مليون شخص — أي ما يقارب خُمس سكان لبنان — نزحوا خلال الفترة نفسها. هذه الأرقام تحتاج إلى تأكيد مباشر من مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة (أوتشا) أو من وزارة الصحة اللبنانية قبل اعتمادها كحقائق مستقلة في أي نسخة منشورة، ولذلك تُعرض هنا بصفتها "تقديرية" فقط.
ما لا يزال غير واضح
حتى لحظة إعداد هذا التقرير، تبقى أسئلة مفتوحة: هل ستُترجَم الانتقادات الأمريكية العلنية إلى ضغط فعلي يغيّر سلوك القوات الإسرائيلية على الأرض؟ هل ستنعقد جولة المفاوضات المرتقبة في روما مطلع سبتمبر كما هو مخطط، أم ستتأثر بتصريحات كاتس؟ وهل ستتخذ الأمم المتحدة أو أي جهة دولية أخرى موقفًا رسميًا حيال الاتهامات المتعلقة باستخدام الفوسفور في الحرائق الحرجية؟ هذه تفاصيل يجب على أي تغطية لاحقة متابعتها والتحقق منها مباشرة.
هذه القصة ليست فقط عن لبنان. فهي تكشف نمطًا أوسع رأيناه هذا الأسبوع أيضًا في الضفة الغربية المحتلة، حيث تصدر تصريحات وتعهدات رسمية — أمريكية أو إسرائيلية — بينما يستمر واقع مختلف تمامًا على الأرض. الفارق هنا أن مصدر الاعتراف بحجم التدمير ليس منظمة حقوقية أو تقريرًا أمميًا، بل وزير الدفاع الإسرائيلي نفسه، بكلماته الخاصة. وهذا ما يمنح القصة قيمتها: فهم القارئ العربي لما تعنيه كلمة "وقف إطلاق نار" عمليًا، حين يصف مسؤول رسمي رفيع، وبلا مواربة، استمرار عمليات الهدم بعد أربعة أشهر من توقيع الاتفاق.

