حصار هرمز "إلى أجل غير مسمى".. واشنطن تتخلى عن لغة الحل السريع وسط أزمة نفسية على متن حاملة طائرات أمريكية
وزير الدفاع الأمريكي: يمكننا حصار إيران "للأبد".. فماذا يعني هذا لأسعار النفط؟
ملخص :
- التحوّل: بعد ستة أشهر من إغلاق شبه كامل لمضيق هرمز، أعلن وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث الخميس أن حصار إيران بحريًا يمكن أن يستمر "إلى أجل غير مسمى"، بينما وعد وزير الخزانة سكوت بيسنت بعقوبات اقتصادية "غير مسبوقة" الأسبوع المقبل.
- الخلاف: الرئيس ترامب قال إن أمريكا لديها "سيطرة كاملة" على المضيق وقد "تُبقيها"؛ مسؤولون إيرانيون متعددون ردّوا بأن المضيق لا يزال "تحت السيطرة الكاملة" لإيران، وسط تعثّر تام في أي مفاوضات مباشرة بين الجانبين.
- الكلفة الإنسانية: حاملة الطائرات الأمريكية "أبراهام لينكولن" بقيت في البحر قرابة سبعة أشهر متواصلة دون توقف في ميناء — وهي مدة قياسية — وسط تقارير متنازع عليها عن أزمة صحة نفسية بين أكثر من 5000 من أفراد طاقمها، ومطالبات من نواب ديمقراطيين بإقالة وزير الدفاع.
لأشهر، كان الحديث عن مضيق هرمز يدور حول "متى" سينتهي شبه الإغلاق الذي يعيشه أهم ممر نفطي في العالم. هذا الأسبوع، بدأ ذلك الحديث يتغيّر: مسؤولون أمريكيون رفيعون توقفوا عن التلميح إلى حل قريب، وبدأوا يتحدثون بلغة مختلفة تمامًا — لغة الاستمرارية.
قال وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث، الخميس 13 أغسطس/آب 2026، إن البحرية الأمريكية قادرة على الحفاظ على حصارها لإيران "إلى أجل غير مسمى" عبر تناوب السفن. وأضاف: "إلى أجل غير مسمى، تستطيع البحرية الأمريكية الحفاظ على حصار كهذا لأننا سنُناوب السفن دخولاً وخروجًا، كما فعلنا، وسنستمر في ذلك."
في اليوم نفسه تقريبًا، ذهب وزير الخزانة سكوت بيسنت أبعد من ذلك، معلنًا في مقابلة تلفزيونية مساء الخميس أن واشنطن ستطبّق الأسبوع المقبل حزمة عقوبات اقتصادية غير مسبوقة، قائلاً: "ترقبوا هذا الأسبوع المقبل مزيدًا من الإعلانات، لأننا سنطبّق إجراءات لم يسبق لها مثيل في تاريخ العزلة الاقتصادية المفروضة على أي دولة." ووصف الاستراتيجية بأنها "ضربة مزدوجة": استمرار الحصار البحري إلى جانب هذه العقوبات الجديدة.
"أعتقد أننا سنبقيها".. وطهران ترفض
قبل ذلك بيوم، كتب الرئيس دونالد ترامب على منصته "تروث سوشيال" أن الولايات المتحدة لديها "سيطرة كاملة" على مضيق هرمز، مضيفًا عبارة أثارت جدلاً واسعًا:
"أعتقد أننا سنبقيها" (I think we will keep it)
في إشارة إلى استمرار هذه السيطرة، ووصف العمليات البحرية الأمريكية بأنها "جدار من الفولاذ".
لم تتأخر طهران في الرد. المتحدث باسم قيادة "خاتم الأنبياء" العسكرية إبراهيم ذو الفقار وصف تصريحات ترامب بأنها مختلقة، وقال إن مضيق هرمز "يبقى تحت الإدارة والسيطرة الكاملة للجمهورية الإسلامية". وقدّم قائد قوات الباسيج حسين طائب تصريحًا مشابهًا، فيما اتهم وزير الخارجية عباس عراقجي واشنطن بـ"سوء تقدير" متكرر، وكتب: "أخطأت الولايات المتحدة في حساباتها منذ زمن طويل بسبب إخفاقات استخباراتية."
هذا التبادل ليس مجرد سجال إعلامي: فهو يكشف أن الطرفين، بعد ستة أشهر من المواجهة، ما زالا بعيدين تمامًا عن أي تفاهم حول من "يتحكم" فعليًا في أحد أهم الممرات المائية في العالم — وهي مسألة تحمل تبعات قانونية دولية مباشرة، إذ يمر عبر المضيق نحو خُمس إمدادات النفط العالمية يوميًا.
مفاوضات متعثرة رغم "مرحلة متقدمة" في عُمان
على الرغم من هذا التصعيد اللفظي، هناك مسار تفاوضي منفصل: تفيد قطر بأن محادثات غير مباشرة بين عُمان وإيران بشأن هرمز "بلغت مرحلة متقدمة"، تركّز على إنشاء ممرات شحن آمنة تراعي الهواجس الأمنية للطرفين.
لكن هذا المسار العُماني يبقى غير مباشر بالكامل؛ فإيران ترفض حتى الآن أي تفاوض مباشر مع واشنطن، ووضع مجلس الأمن القومي الإيراني الأعلى ستة شروط لإعادة فتح المضيق بالكامل: وقف التهديدات والإهانات الأمريكية لإيران، ووقف دائم للهجمات على إيران وحلفائها في لبنان وفلسطين واليمن والعراق، وإزالة الحصار البحري وانسحاب القوات الأمريكية، وتعويضات عن أضرار ما تصفه طهران بـ"الحروب المفروضة"، ورفع العقوبات، والإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة.
في المقابل، يكرر ترامب مطالبته بأن تدفع إيران ثمن "50 عامًا" من الأضرار، بما في ذلك خسائر بشرية أمريكية وإيرانية على حد سواء — وهو موقف يجعل أي تقارب مباشر بين الجانبين يبدو بعيد المنال في الوقت الراهن، بحسب تحليل نشرته الجزيرة الثلاثاء الماضي.
الكلفة الاقتصادية: من يدفع الثمن؟
بحسب تقديرات نشرتها الجزيرة في وقت سابق، خسرت إيران نحو 6 مليارات دولار من عائدات النفط منذ تشديد الحصار البحري الأمريكي في منتصف أبريل/نيسان الماضي؛ وهو رقم لا يزال يُستشهد به في التغطيات اللاحقة دون تحديث واضح، ما يستدعي التعامل معه كتقدير لا كرقم نهائي محدّث.
أما على مستوى الأسواق العالمية، فقد تراجع سعر خام برنت قليلاً إلى نحو 87.39 دولارًا للبرميل، وخام غرب تكساس الوسيط (WTI) إلى نحو 81.53 دولارًا، بحلول 13 أغسطس — وكلاهما لا يزال أعلى بكثير من مستويات ما قبل الحرب في فبراير الماضي. وبحسب ترامب نفسه، فإن هذا الضغط الاقتصادي يضع إيران أمام تضخم مرتفع وصعوبات في دفع رواتب قواتها العسكرية — وهو ادعاء يصعب التحقق منه بشكل مستقل، لكنه يعكس الرهان الأمريكي المعلن: أن الاستمرار في الضغط الاقتصادي، لا التفاوض السريع، هو الطريق للوصول إلى تنازلات إيرانية.
الكلفة الإنسانية.. على الجانب الأمريكي أيضًا
بعيدًا عن طهران وواشنطن، تتصاعد في الكونغرس الأمريكي نفسه أسئلة حول كلفة إنسانية أخرى لهذا الوضع المفتوح: حاملة الطائرات الأمريكية "أبراهام لينكولن"، التي تحمل على متنها أكثر من 5000 من البحارة وعناصر مشاة البحرية، بقيت في البحر بشكل متواصل قرابة سبعة أشهر دون التوقف في أي ميناء — وهي أطول فترة انتشار مسجلة لحاملة طائرات أمريكية، بعدما كان من المفترض أن تنتهي مهمتها في مايو/أيار الماضي قبل أن تُمدَّد مرارًا.
نواب ديمقراطيون في مجلس الشيوخ الأمريكي، من بينهم ريتشارد بلومنثال وتشاك شومر وروبن غاييغو ومارك كيلي (الضابط البحري الأمريكي السابق)، طالبوا وزارة الدفاع بإجابات رسمية حول تقارير عن تدهور الأوضاع على متن السفينة، شملت تراجعًا في الصحة النفسية، وتلوث مياه الشرب، ونقصًا في الإمدادات، وانقطاعًا في خدمة البريد. وقال بلومنثال إن الوضع "يستدعي اهتمامًا فوريًا"، متسائلاً عمّا إذا كانت "البحرية قادرة على تحمّل وتيرة العمليات المطلوبة حاليًا". أما شومر، زعيم الأقلية الديمقراطية في مجلس الشيوخ، فذهب إلى حد المطالبة بإقالة وزير الدفاع هيغسيث.
وتحدثت عائلات بحارة، بحسب تقارير إعلامية، عن حالات إرهاق نفسي شديد بين أفراد الطاقم، من بينها حادثة سقوط أحد البحارة في البحر الشهر الماضي وإنقاذه لاحقًا. في المقابل، نفى وزير الدفاع هيغسيث هذه التقارير ووصفها بأنها "مشوَّهة تمامًا"، مؤكدًا أن الجيش يوفر لأفراده "كل ما يمكن توفيره في كل لحظة"، وأشادت البحرية الأمريكية بأنها "تجري تقييمات مستمرة لمراقبة الجاهزية النفسية لكل بحّار والحفاظ عليها". هذا التناقض بين شهادات العائلات والنواب من جهة، ونفي وزير الدفاع من جهة أخرى، لا يزال نقطة خلاف لم تُحسم بعد، وتستحق متابعة مستقلة.
لماذا يهم هذا القارئ العربي
قد يبدو الخلاف حول ألفاظ التصريحات الأمريكية والإيرانية بعيدًا عن الحياة اليومية في المنطقة العربية، لكنه في جوهره يحدد أفقًا زمنيًا لأزمة تمس المنطقة مباشرة. فحين يعلن مسؤول أمريكي رفيع أن الحصار البحري — الذي أدى إلى شلل شبه كامل في الملاحة عبر هرمز وارتفاع مستمر في أسعار الطاقة — قد يستمر "إلى أجل غير مسمى"، فهذا يعني عمليًا أن اقتصادات الخليج المعتمدة على تصدير النفط، وأسعار الوقود والسلع في الأسواق العربية الأوسع، قد تظل رهينة لهذا الوضع لفترة أطول مما كان متوقعًا قبل أسابيع قليلة فقط، حين كانت مفاوضات عُمان توصف بأنها "متقدمة" وقريبة من نتيجة.
ما لا نعرفه بعد
لا يزال هناك أكثر من سؤال مفتوح: هل ستُترجم تصريحات هيغسيث وبيسنت إلى سياسة رسمية طويلة الأمد، أم أنها لغة تفاوضية تهدف للضغط على طهران؟ ما هي التفاصيل الدقيقة للعقوبات "غير المسبوقة" التي وعد بها بيسنت، والتي لم تُعلن بعد حتى لحظة إعداد هذا التقرير؟ وهل ستنجح الوساطة العُمانية غير المباشرة في التوصل لاتفاق جزئي حول ممرات شحن آمنة حتى مع استمرار الجمود في المسار المباشر بين واشنطن وطهران؟ وأخيرًا، ما مصير التحقيق الذي طالب به نواب ديمقراطيون بشأن أوضاع طاقم "أبراهام لينكولن"؟
ماذا بعد؟
يترقب متابعو الملف تفاصيل حزمة العقوبات الأمريكية الموعودة الأسبوع المقبل، وما إذا كانت ستدفع إيران نحو مزيد من التصعيد أم نحو مرونة تفاوضية أكبر عبر الوسيط العُماني. كما يبقى مصير طاقم حاملة الطائرات الأمريكية، ومدى استجابة البنتاغون لمطالب الكونغرس بالشفافية، ملفًا يستحق متابعة مستقلة في الأيام المقبلة — إلى جانب أي تحرك جديد في مياه هرمز نفسها، حيث لا يزال أي حادث جديد قادرًا على قلب المعادلة الاقتصادية والدبلوماسية بين ليلة وضحاها.

