الأمم المتحدة تحذّر: اليمن على شفا أخطر عودة للحرب منذ هدنة 2022.. وسط حصار بحري وأزمة إنسانية متفاقمة
ملخص :
- التحذير: قال المبعوث الأممي الخاص لليمن هانس غروندبرغ، أمام مجلس الأمن الدولي الخميس 13 أغسطس/آب 2026، إن اليمن "يواجه اليوم خطرًا أكبر من العودة إلى نزاع واسع النطاق أكثر من أي وقت مضى منذ هدنة 2022."
- التصعيد الميداني: حصار بحري حوثي على السعودية أُعلن في 20 يوليو، وهجمات متكررة خلال أغسطس استهدفت مأرب وحضرموت وتعز والمخا وسفنًا تجارية ومنشآت نفطية سعودية، أسفرت عن مقتل عشرات العسكريين اليمنيين وأربعة على الأقل من طواقم السفن الأجنبية.
- الأزمة الإنسانية: 11 مليون امرأة وفتاة يمنية بحاجة لمساعدات إنسانية، و6 ملايين شخص يعانون انعدام أمن غذائي بمستوى "طارئ" — الأعلى عالميًا — والنداء الأممي لليمن ممول بنسبة 20% فقط حتى الآن.
لأربع سنوات تقريبًا، عاشت اليمن في ظل هدنة أممية لم تتحول قط إلى اتفاق سلام دائم، لكنها نجحت رغم هشاشتها في إبقاء خطوط الجبهة بين الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا وجماعة الحوثي هادئة نسبيًا. هذا الأسبوع، حذّر أعلى مسؤول أممي معني بالملف اليمني من أن هذا الاستقرار الهش يقترب من نقطة الانهيار.
قال المبعوث الأممي الخاص لليمن هانس غروندبرغ، في إحاطة أمام مجلس الأمن الدولي الخميس 13 أغسطس/آب 2026، إن اليمن "يواجه اليوم خطرًا أكبر من العودة إلى نزاع واسع النطاق أكثر من أي وقت مضى منذ الهدنة الأممية لعام 2022"، مضيفًا أن هذه الهدنة "أبقت خطوط الجبهة في اليمن هادئة نسبيًا" لأربع سنوات، حتى بعد انتهاء مفعولها الرسمي. ودعا غروندبرغ إلى "تهدئة فورية" وإلى وقف إطلاق نار "قوي" يعيد الطرفين إلى طاولة التفاوض.
كيف وصلنا إلى هنا؟
بدأ التصعيد الأخير يتضح بشكل أوضح في يوليو/تموز الماضي، حين تعرّض مطار صنعاء الدولي لضربات جوية في أعقاب رحلة طيران غير مصرح بها من طهران إلى صنعاء. الحوثيون نسبوا هذه الضربات لتحالف بقيادة السعودية، بينما تبنّت الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا، بحسب تقرير لصحيفة "ذا ناشونال"، مسؤوليتها عن الضربات نفسها — وهي نقطة لا تزال محل خلاف بين الطرفين ولم تُحسم بمصدر مستقل.
في 20 يوليو، ردّ الحوثيون بإعلان حصار بحري على السعودية، مستندين في بيانهم الرسمي إلى مبدأ وصفوه بـ"العين بالعين"، وقالوا إنهم يمارسون "حق شعبنا العظيم في الرد على الحصار بحصار"، في إشارة لما وصفوه بأنه "حصار ظالم وجائر" تتعرض له اليمن منذ نحو 12 عامًا. منذ ذلك الإعلان، وبحسب موقف أمريكي رسمي عرضته واشنطن أمام مجلس الأمن، استهدف الحوثيون أكثر من سبع سفن تجارية مرتبطة بالسعودية في البحر الأحمر.
تصاعدت وتيرة الهجمات بشكل ملحوظ خلال أغسطس/آب: في 6 أغسطس، قُتل 30 عنصرًا على الأقل من القوات الحكومية اليمنية في هجمات حوثية بمأرب وحضرموت، بحسب تقارير مستقلة متعددة. وفي 11 أغسطس، أطلق الحوثيون هجمات صاروخية بالستية استهدفت مدينتي المخا ومأرب، في اليوم نفسه الذي شنّوا فيه هجومًا صاروخيًا على سفينة تجارية في باب المندب أسفر، بحسب البيان الأممي الرسمي، عن مقتل ثلاثة عمال باكستانيين وعامل إندونيسي واحد من طاقمها. كما استهدفت هجمات بطائرات مسيّرة منشآت طاقة سعودية في ينبع وجازان وأبقيق، بحسب تصريح رسمي بريطاني أمام مجلس الأمن.
الأزمة الإنسانية: أرقام تتحدث عن نفسها
إلى جانب المسار العسكري، رسم توم فليتشر، وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية، صورة قاتمة لحياة ملايين اليمنيين اليوميين أمام مجلس الأمن. فبحسب إحاطته، يحتاج نحو 11 مليون امرأة وفتاة يمنية إلى مساعدات إنسانية، بينما لا تحصل 4 من كل 5 نساء على خدمات الصحة الإنجابية الأساسية، ما يؤدي إلى وفاة نحو ثلاث نساء يوميًا بسبب مضاعفات حمل كان يمكن الوقاية منها. أما على صعيد الغذاء، فإن نحو 6 ملايين يمني يعانون من انعدام أمن غذائي بمستوى "طارئ" — وهو أعلى رقم من نوعه في العالم حاليًا — في وقت لم يتلقَّ فيه النداء الإنساني الأممي لليمن هذا العام سوى 20% فقط من التمويل المطلوب. وأضاف فليتشر أن ملايين اليمنيين يواجهون يوميًا خيارات مستحيلة: "الغذاء أو الدواء، التعليم أو العمل، البقاء أو النزوح."
كما كشف غروندبرغ أن 73 موظفًا أمميًا لا يزالون محتجزين تعسفيًا لدى جماعة الحوثي، بعضهم منذ أكثر من عامين، فيما أعلنت السلطات الصحية تفشي مرض الحصبة في مدينة مأرب — مؤشر إضافي على انهيار الخدمات الأساسية في مناطق النزاع.
انقسام داخل مجلس الأمن حول من يتحمل المسؤولية
لم يكن اجتماع مجلس الأمن موحّد الموقف. فبينما حمّلت الولايات المتحدة وبريطانيا والبحرين جماعة الحوثي المدعومة من إيران مسؤولية التصعيد — ووصفتها البحرين بأنها "ميليشيا مدعومة من إيران" تسعى لأجندة خارجية "على حساب أرواح الشعب اليمني وأمنه ومعيشته ومستقبله" — ذهبت روسيا في اتجاه مختلف تمامًا، محمّلة الولايات المتحدة وإسرائيل مسؤولية استمرار الجمود في عملية السلام. أما الصين فدعت إلى تطبيق وقف إطلاق النار في غزة والعودة إلى مذكرة التفاهم الأمريكية-الإيرانية، في إشارة إلى ربطها الأزمة اليمنية بالصراعات الإقليمية الأوسع.
من جهتها، اتهم مندوب اليمن لدى الأمم المتحدة عبدالله السعدي جماعة الحوثي بمحاولة إقامة "جسر جوي" لنقل أسلحة وعناصر عسكرية إيرانية عبر مطار صنعاء، في إشارة إلى الرحلة غير المصرح بها التي سبقت ضربات يوليو. هذا الاتهام يبقى موقفًا رسميًا لطرف في النزاع (الحكومة اليمنية) ولم يتم التحقق منه بشكل مستقل.
قد يبدو التصعيد اليمني بعيدًا جغرافيًا عن يوميات كثير من القراء العرب، لكنه يتقاطع بشكل مباشر مع ملفات إقليمية أخرى تتابعها SATR هذه الأيام، أبرزها أزمة مضيق هرمز وتأثيرها على أسعار النفط والملاحة. فباب المندب، الذي يشهد الآن هجمات متكررة على السفن التجارية، هو الآخر ممر مائي عالمي حيوي يربط البحر الأحمر بالمحيط الهندي، وأي تصعيد فيه يعني تكلفة إضافية على الشحن والتأمين البحري تنعكس على أسعار السلع في الأسواق العربية. كما أن استهداف منشآت نفطية سعودية في ينبع وجازان وأبقيق يضع أمن الطاقة الخليجي، الذي تعتمد عليه اقتصادات المنطقة بأكملها تقريبًا، أمام تهديد مباشر جديد يتزامن مع أزمة هرمز لا ينفصل عنها.
وفوق كل ذلك، تبقى الكلفة الإنسانية هي الأكثر إلحاحًا: فحين يموت ثلاث نساء يمنيات يوميًا بسبب نقص خدمات صحية أساسية، ويعاني 6 ملايين شخص من الجوع بمستوى "طارئ"، فإن عودة اليمن إلى حرب شاملة لا تعني فقط جبهات عسكرية جديدة، بل تعني تفاقم أزمة إنسانية هي بالفعل من الأسوأ عالميًا.
ما لا نعرفه بعد
تبقى أسئلة جوهرية دون إجابة مؤكدة: هل ستستجيب جماعة الحوثي لدعوة غروندبرغ للتهدئة الفورية، أم أن التصعيد سيستمر نحو مواجهة أوسع؟ هل ستصدر السعودية ردًا عسكريًا مباشرًا على استهداف منشآتها النفطية، أم ستكتفي بالتصريحات الدبلوماسية داخل مجلس الأمن؟ وما مصير موظفي الأمم المتحدة الـ73 المحتجزين لدى الحوثيين؟ هذه تفاصيل تستحق متابعة مباشرة ومستقلة في الأيام المقبلة.
ماذا بعد؟
يترقب متابعو الملف ما إذا كانت الدعوات الأممية للتهدئة ستجد آذانًا صاغية لدى الحوثيين والحكومة اليمنية على حد سواء، خصوصًا مع تحذير رئيس المجلس الرئاسي القيادي اليمني بأن أي فعل حوثي جديد سيُقابَل بـ"رد شامل أو ردع". كما يبقى مسار الحصار البحري الحوثي على السعودية، وتأثيره المتصاعد على حركة الشحن في البحر الأحمر وباب المندب، ملفًا اقتصاديًا وأمنيًا يستحق متابعة مستقلة موازية لأزمة مضيق هرمز التي تشهدها المنطقة في الوقت نفسه.

