كيف تتحول عملية عدّ السكان إلى معركة سياسية؟
من سؤال الجنسية في أمريكا إلى عودة "الكاست" في الهند بعد 95 عاماً.. إلى الرهان على الثقة أردنيا
ملخص :
التعداد هو البنية التحتية لقرارات الحكم اليومية، عبر أربع وظائف:
توزيع السلطة السياسية: عدد سكان كل منطقة يحدد مقاعدها البرلمانية. هذا ما يجعل تأجيل التعداد الهندي إلى 2027 خلافياً؛ إذ يجب إعادة رسم الدوائر الانتخابية بعد أول تعداد يلي 2026، وتخشى ولايات جنوبية مثل تاميل نادو أن يُفقدها هذا التوقيت تمثيلها.
توزيع الموارد المالية: مليارات الدولارات من الإنفاق الفيدرالي تُوزَّع استناداً لأرقام التعداد؛ كل فرد غير مُحصى في أمريكا يعني عقداً من التمويل الضائع لمجتمعه.
التخطيط التنموي: قياس البطالة والأمية والقطاعات المحتاجة للدعم.
فهم التحولات المجتمعية: الهجرة، التحضّر، الفجوات العمرية.
كيف يتم العدّ؟ ثلاث مدارس
وفق مسح للأمم المتحدة شمل 138 دولة:
1. التعداد التقليدي (69% من الدول): زيارة كل أسرة مباشرة، ميدانياً أو عبر الإنترنت.
2. التعداد القائم على السجلات الإدارية: لا تُسأل الأسر شيئاً؛ تُستخرج البيانات من ربط سجل السكان بسجلات الضرائب والتعليم والصحة. تعتمده الدول الإسكندنافية أساساً.
3. النموذج المدمج: مزيج من الاثنين، وهو الأسرع نمواً — قفز من 10 دول عام 2010 إلى 19 دولة عام 2020 في أوروبا.
الاتجاه العالمي واضح: 63% من دول أوروبا تعتمد الآن على السجلات جزئياً أو كلياً، مقابل 36% قبل عقد، بدافع ارتفاع الكلفة وتزايد رفض الأسر المشاركة. حتى ضمن النموذج التقليدي، دخلت التقنية بقوة: 80% من الدول تستخدم أجهزة لوحية بدل الورق، ومصر تبني تعداد 2027 على "رقم عقاري موحّد" رقمي لكل مبنى.
وفي دول تفتقر لتعداد موثوق، مثل الكونغو الديمقراطية (آخر تعداد عام 1984)، تُستخدم بدائل: تحليل صور الأقمار الصناعية للمباني والإضاءة الليلية، أو بيانات الهواتف المحمولة، لإنتاج خرائط سكانية تقديرية.
حين يتحول السؤال إلى معركة سياسية
أمريكا وسؤال الجنسية: منذ 2018، تتجدد المعركة حول إدراج سؤال الجنسية في التعداد. دراسة محكّمة تؤكد أن هذا السؤال يخفض معدلات الاستجابة بين الأسر المهاجرة، ما يُنقص إحصائياً فئات تاريخياً مهمّشة — رغم أن الدستور يفرض توزيع مقاعد الكونغرس على "العدد الكلي للأشخاص" بصرف النظر عن وضعهم القانوني.
الهند وعودة "الكاست": للمرة الأولى منذ 1931، سيسأل التعداد الهندي عن الانتماء الطائفي وسط جدل: هل ينصف الفئات المهمّشة أم يكرّس انقساماً اجتماعياً عمره ألف عام يضم نحو 4.7 مليون اسم طائفة؟
الحالة الأردنية: المشاركة بالثقة لا بالإلزام
في خضم التحضير لتعداد السكان والمساكن لعام 2027 (بعد أن كان مقرراً أصلاً في 2026)، وجدت دائرة الإحصاءات العامة الأردنية نفسها تُصحّح معلومات أدلت بها، تفيد بفرض غرامات على من يمتنع عن الإجابة أو لا يكون متواجداً في منزله أثناء الزيارة الميدانية. مدير عام الدائرة، حيدر فريحات، نفى ذلك تماماً، موضحاً أن حالات تعذّر الحصول على بيانات بعض الأسر أمر معتاد يقع ضمن هامش الخطأ الإحصائي المتوقع في أي تعداد، وأن الباحثين — وأغلبهم من معلمي وزارة التربية والتعليم بعد خضوعهم لتدريب وتأهيل مسبق — يتعاملون بمرونة مع هذه الحالات عبر تكرار الزيارة بدل فرض أي جزاء.
من الناحية اللوجستية، يستعين التعداد الأردني بنحو 12 ألف باحث ميداني لتغطية 24 ألف "بلوك إحصائي" وما يقارب مليون مبنى في مختلف مناطق المملكة. أما استمارة التعداد فتركز على الخصائص السكانية والاجتماعية والتعليمية، وخصائص المسكن، والتأمين الصحي، والصعوبات الوظيفية، لكنها تتعمّد استبعاد أي سؤال عن قيمة دخل الفرد أو الأسرة — وهو تفصيل تصميمي لافت يقلّل من حساسية الاستمارة مقارنة بتجارب دول أخرى. ويشمل التعداد الأردنيين وغير الأردنيين المقيمين على أرض المملكة على حد سواء، انطلاقاً من مبدأ أن كل فرد وأسرة ومسكن يشكّل جزءاً من الصورة الوطنية الكاملة للواقع السكاني، مع تأكيد الدائرة أن جميع البيانات المُجمّعة محاطة بسرية تامة.
الموقف الأردني يبرز نموذجاً مغايراً لدول تفرض عقوبات قانونية على الامتناع عن التعداد؛ إذ تراهن دائرة الإحصاءات هنا على الثقة المتبادلة والوعي بـ"الواجب الوطني" كحافز للمشاركة بدل الإلزام القسري، وهو رهان تصفه الدائرة بأنه أثبت نجاعته تاريخياً في العمليات الإحصائية السابقة بالمملكة. رغم ما تواجهه من انتقاد للجوء للطريقة التقليدية بينما تتجه الحكومة للرقمنة وتمكين المستخدمين من تطوير واستخدام تطبيق سند الحكومي.
بالمحصلة.. التعداد، تقنياً، مجرد عدّ. لكنه عملياً أداة سياسية: من يُحصى، وكيف، وبأي أسئلة، قرارات تعيد رسم خريطة السلطة والموارد لعقد كامل. ومع تسارع التحول الرقمي، يتحول "يوم التعداد" التقليدي تدريجياً إلى عملية صامتة مستمرة خلف الكواليس — بينما يبقى السؤال الأصعب: من يقرر ما الذي يُحصى؟

