كيف "اشترت" الدول قلوب السياح بعدسة مؤثر واحد؟
عندما تتحوّل الكاميرا إلى سفارة وأكثر...
ملخص :
عام 2019 أوقفت الأجهزة الأمنية الأردنية شاباً يحمل طائرة درون في وادي رم واحتجزته أسبوعاً كاملاً بتهمة التصوير بدون تصريح. اليوم، يعود الشاب نفسه "جو حطاب" / جهاد حطاب، ضيفاً رسمياً على هيئة تنشيط السياحة الأردنية، يصوّر سلسلة وثائقية بدعم كامل من الدولة التي اعتقلته يوماً. بين المشهدين، تختصر القصة كل ما تغيّر في عالم الترويج السياحي: من الرقابة إلى الشراكة، ومن الإعلان الرسمي الجامد إلى "الفلوق" الشخصي الذي يشاهده ملايين الشباب.
متى بدأت الفكرة؟
كظاهرة عامة، جذور التسويق عبر المؤثرين تعود إلى القرن الثامن عشر عبر "براءات الاعتماد الملكي" (Royal Warrants) التي كانت العائلة المالكة البريطانية تمنحها للعلامات التجارية، فتستخدمها الشركات للترويج لمنتجاتها محلياً وخارجياً. لكن هذا شكل مختلف جداً عمّا نعرفه اليوم.
الشكل الحديث المرتبط بالسياحة تحديداً بدأ مع صعود منصات التواصل الاجتماعي في أواخر العقد الأول من الألفية الثانية وبداية العقد الثاني (يوتيوب 2005 فصاعداً، ثم إنستغرام بعد 2010)، حين بدأت هيئات السياحة الأولى (أستراليا، نيوزيلندا، دول أوروبية) تجرب "رحلات المؤثرين" (press/fam trips).
لماذا تخلّت وزارات السياحة عن الإعلانات التقليدية؟
الإجابة تكتبها الأرقام قبل الخبراء: غالبية المسافرين اليوم يثقون بتوصية صانع محتوى يتحدث بصوته الطبيعي أكثر من ثقتهم بإعلان رسمي مصقول. جيل كامل يقرر وجهته القادمة وهو يمرر شاشة هاتفه، لا وهو يشاهد نشرة أخبار مسائية. فوجدت هيئات ووزارات السياحة نفسها أمام معادلة بسيطة: إما مجاراة هذا التحوّل، أو الغياب عن خريطة اهتمام جمهور لم يعد يلتفت لطرق الترويج القديمة أصلاً.
“الشهرة العضوية” أولاً، والتعاون الرسمي لاحقاً
في الحالة الأردنية، تكشف كواليس التعاون مع جو حطاب نمطاً مختلفاً عمّا يتخيله كثيرون. لم تدفع وزارة السياحة له مبالغ مباشرة، بل اكتفت بحسب تصريح رسمي للوزير السابق نايف الفايز عام 2022 بتقديم تسهيلات في الطيران والفنادق، بعد أن وجّه له دعوات شخصية متكررة قوبلت بالاعتذار أكثر من مرة قبل أن يستجيب أخيراً - بعد 4 ستوات دون كشف تفاصيل الإتفاق حتى الآن - إنها معادلة "الشهرة العضوية أولاً، والتعاون الرسمي لاحقاً"، حيث تلحق الدولة بنجومية تشكّلت خارج مكاتبها.
حين تتحول الصورة الذهنية إلى مشروع دولة
على الطرف الآخر من الخليج، تبدو القصة أكثر احترافاً واتساعاً. فالسعودية تمثل الحالة الأكثر تنظيماً واستراتيجية. استخدام المؤثرين للترويج السياحي ليس جديداً، لكن بالنسبة للسعودية كان تكتيكاً جديداً نسبياً لصياغة صورة جديدة لدولة كانت تقليدياً تفرض رقابة صارمة على إعلامها المحلي، وهذا جزء من هجوم علاقات عامة أوسع لتحسين الصورة الذهنية بما ينسجم مع "رؤية 2030". عدة وكالات علاقات عامة قادت هذا الجهد، من بينها منصة "Influencer" التي شارك في تأسيسها بن جيفريز وكاسبر لي، إضافة إلى Consulum. لاحقاً، وقّعت الهيئة السعودية للسياحة مذكرة تفاهم مع شركة تسويق وطنية لتوسيع قاعدة بياناتها من المؤثرين وتطوير معايير اختيار صنّاع المحتوى للحملات الترويجية المستقبلية، وذلك في إطار "رؤية 2030" الهادفة لتنويع الاقتصاد عبر قطاع السياحة. كذلك أطلقت السعودية حملة "المواسم السعودية" كأحد أكثر الحملات الحكومية طموحاً في مجال التسويق عبر المؤثرين، للترويج للمملكة كوجهة سياحية رئيسية عبر إبراز ثقافتها وتراثها وعروضها الترفيهية.
تجارب أخرى..
في 2016 استعانت دبي بالنجم الهندي شاروخان خان لحملة "Be My Guest"، وكان جزءاً من عقد امتد لعام كامل شمل عدة مشاريع ترويجية لسياحة دبي، بهدف استقطاب المعجبين الهنود حول العالم عبر شهرته العالمية.
أستراليا: لديها لجنة كاملة اسمها "Friends of Australia" لاستقطاب نجوم مختلف الأسواق، وضمت الممثلة الهندية بارينيتي شوبرا كأول امرأة تنضم لهذا الفريق. أما مؤخراً (2025) فأطلقت حملة "Come and Say G'day" بميزانية عالمية بلغت 130 مليون دولار، استعانت فيها بـ روبرت إروين (نجم الحياة البرية) والشيف البريطانية نيجيلا لوسون.
أرقام تكشف حجم اللعبة
الميزانيات هنا ليست هامشية. مؤثر صغير قد يكتفي برحلة مجانية، لكن مؤثراً عالمياً بملايين المتابعين قد يتقاضى ما بين خمسة عشر ألف دولار ومئة ألف دولار للحملة الواحدة، وقد تصل عقود "السفراء" طويلة الأمد إلى مئتي ألف دولار أو أكثر. وتقدَّر القيمة الإعلامية المكتسبة من هذه الحملات بما بين ثلاثة إلى سبعة أضعاف المبلغ المنفق، وأحياناً عشرة أضعاف في أفضل الحالات.
السؤال الذي لا تملك الهيئات إجابة مريحة عنه
لكن خلف هذه الأرقام اللامعة، يكمن سؤال يقلق كل مدير تسويق سياحي: هل يشاهد الملايين المحتوى فعلاً ثم يحجزون تذاكر طيران، أم يكتفون بإعجاب عابر؟ الحقيقة أن مراقبة أثر القرار السياحي يحتاج نفسأ طويلا، فمن يشاهد فيديو اليوم قد يسافر بعد أشهر، ما يجعل تتبع الأثر الحقيقي مهمة شبه مستحيلة. وتشير تقديرات القطاع إلى أن جزءاً كبيراً من ميزانيات المؤثرين — يصل أحياناً إلى ثلث الإنفاق — يذهب لمحتوى لم يحرّك حجزاً واحداً على أرض الواقع.
إذن... وعي أم سياح فعليون؟
الإجابة الأكثر أمانة أن الحملات الكبرى، من طراز "جو حطاب" وأمثاله، صُممت أساساً لرفع الوعي وتلميع الصورة الذهنية للوجهة على نطاق واسع، لا كأداة بيع مباشرة. أما الحجز الفعلي فيبقى رهين عوامل أخرى: سهولة التأشيرة، أسعار الطيران، وجودة التجربة على الأرض. المؤثر يفتح الباب ويغري بالدخول، لكنه لا يضمن وحده أن يعبر السائح العتبة، أو أن يلقى هذه التسهيلات لزيارة وجهته.
عصر السفير الرقمي
ما بدأ كتجربة عفوية تحوّل اليوم إلى صناعة قائمة بذاتها، لها ميزانياتها ومعاييرها وحتى إشكالياتها. فمن وادي رم إلى العُلا، أصبحت عدسة هاتف محمول أحياناً أكثر إقناعاً من حملة إعلانية بملايين الدولارات. وهذا وحده يكفي لتفسير لماذا لم تعد وزارات السياحة تتردد في مد يدها لصانع محتوى قبل أن تفكر بلوحة إعلانية واحدة.

