التبرع بالأعضاء.. بوابة الأمل أم محك الأخلاق؟
قراءة تحليلية في عاصفة «سند» للتبرع بالأعضاء
ملخص :
لم يكن إطلاق خدمة تسجيل الرغبة في التبرع بالأعضاء عبر تطبيق «سند» مجرد تحديث تقني يضاف إلى قائمة الخدمات الحكومية الرقمية في الأردن، بل كان خطوة فتحت النقاش حول واحد من أكثر الملفات حساسية وتعقيداً في الوعي الجمعي: التبرع بالأعضاء بعد الوفاة.
وخلال أيام، تفاعل الشارع الأردني مع الخدمة على نطاق واسع، في مشهد تداخلت فيه الاعتبارات الإنسانية مع الهواجس النفسية والاجتماعية والضوابط الشرعية والتساؤلات الطبية والقانونية. وهنا يبرز السؤال: هل تستطيع التكنولوجيا أن تسهم في بناء ثقافة جديدة للعطاء بعد الرحيل، وتردم الفجوة بين الحاجة الطبية الملحة والتردد المجتمعي؟
البعد الديني: من الجدل إلى الفتوى
يمثل الدين مرجعية أساسية لكثير من الأردنيين في القضايا المرتبطة بالحياة والموت. وفي هذا السياق، أكدت الجهات الدينية الرسمية في الأردن جواز التبرع بالأعضاء بعد الوفاة، واعتباره من أعمال الخير والصدقة الجارية، انطلاقاً من مقاصد الشريعة في حفظ النفس وإنقاذ حياة الإنسان، لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً﴾.
ويكتسب هذا الجانب أهمية خاصة في ظل وجود مخاوف فقهية ومجتمعية مرتبطة بحدود التبرع، وضوابط إثبات الوفاة، وحرمة جسد الإنسان وكرامته. ولذلك تبقى عملية التبرع محكومة بضوابط شرعية وطبية وقانونية دقيقة، بعيداً عن الاجتهادات الفردية أو الإجراءات العشوائية.
البعد النفسي والاجتماعي: بين العطاء وحرمة الجسد
التبرع بالأعضاء بعد الوفاة يضع الإنسان أمام مفارقة نفسية عميقة: غريزة التمسك بالحياة من جهة، والرغبة في منح الحياة للآخرين من جهة أخرى.
من الجانب الإيجابي، يمكن لقرار التبرع أن يمنح المتبرع وأسرته شعوراً بأن رحيله لم يكن نهاية كاملة، وأن جزءاً من أثره الإنساني سيستمر في إنقاذ حياة مريض أو تحسينها. وهنا يتحول الموت، في وعي الأسرة، من فاجعة خالصة إلى فرصة لصنع أثر يمتد إلى ما بعد الرحيل.
لكن في المقابل، تصطدم الفكرة بمخاوف متجذرة في الثقافة والمشاعر الأسرية، أبرزها الخوف من انتهاك حرمة الميت أو التسرع في إعلان الوفاة، إضافة إلى الارتباط العاطفي الشديد بجسد المتوفى. وفي لحظة الفقد، قد يصبح اتخاذ قرار يتعلق بجسد شخص عزيز أمراً بالغ الصعوبة، حتى بالنسبة إلى عائلة كانت تعرف مسبقاً برغبته في التبرع.
الآلية الطبية: هل يتم التبرع فور الوفاة؟
من أبرز التساؤلات التي أثارتها الخدمة طبيعة الإجراءات الطبية وتوقيتها. والحقيقة أن تسجيل الرغبة عبر «سند» لا يعني أن الأعضاء ستُنتزع فور توقف القلب أو بمجرد تسجيل الوفاة.
التسجيل هو تعبير مسبق عن إرادة الشخص ورغبته في التبرع، بينما يخضع التبرع الفعلي لبروتوكولات طبية وقانونية صارمة. كما أن صلاحية التبرع بالأعضاء ترتبط بحالة الوفاة ومعايير طبية محددة، ومن بينها الوفاة الدماغية وفق الضوابط المعتمدة، حيث يتوقف عمل الدماغ وجذع الدماغ بشكل كامل ونهائي، مع إمكانية استمرار بعض وظائف الجسم بواسطة أجهزة الإنعاش لفترة محدودة.
ولا يمكن الانتقال إلى إجراءات التبرع إلا بعد التأكد من تحقق شروط الوفاة وفق المعايير الطبية والقانونية المعتمدة، وبواسطة أطباء مختصين ولجان مؤهلة، بما يضمن الفصل الكامل بين قرار إنقاذ حياة المريض وبين إثبات وفاة المتبرع.
معضلة الأهل: ماذا يحدث إذا رفضت العائلة؟
ربما يكون هذا السؤال الأكثر حساسية في منظومة التبرع بالأعضاء: ما مدى قوة رغبة الشخص التي سجلها أثناء حياته إذا اعترضت أسرته بعد وفاته؟
هنا تظهر الفجوة بين الإرادة الفردية والواقع الاجتماعي. التسجيل في «سند» يوثق رغبة المواطن، لكنه لا يلغي التعقيدات الإنسانية والقانونية التي قد تظهر عند الوفاة. وفي تلك اللحظة، تكون الأسرة أمام صدمة فقد حقيقية، وقد تجد صعوبة في تقبل فكرة التبرع، حتى لو كانت رغبة المتوفى واضحة ومعلنة.
ولهذا لا تكفي الخدمة الرقمية وحدها لبناء منظومة ناجحة للتبرع بالأعضاء. المطلوب هو أن تتحول الرغبة في التبرع إلى موضوع حوار داخل الأسرة قبل وقوع الوفاة، بحيث يعرف الأبناء والآباء والأقارب موقف الشخص مسبقاً، ويدركون دوافعه وطبيعة قراره.
«سند».. بداية ثقافة لا مجرد خدمة
أهمية خدمة تسجيل التبرع بالأعضاء لا تكمن في كونها إضافة إلكترونية إلى تطبيق حكومي، بل في قدرتها على فتح نقاش مجتمعي طال تأجيله.
التحدي الحقيقي ليس تقنياً؛ التسجيل بضغطة زر هو الجزء الأسهل. أما الأصعب فهو بناء الثقة، وترسيخ الفهم الطبي والشرعي والقانوني، وإقناع العائلات بأن قرار التبرع لا ينتقص من حرمة الميت، بل يمكن أن يكون امتداداً لقيم الرحمة والعطاء وإنقاذ حياة الآخرين.
إذا نجحت هذه الثقافة، يمكن لـ«سند» أن يكون أكثر من منصة لتسجيل الرغبات؛ يمكن أن يصبح إحدى أدوات التحول في نظرة المجتمع إلى الموت والعطاء، وأن ينقل التبرع بالأعضاء من منطقة الخوف والتردد إلى مساحة واعية من الاختيار والمسؤولية الإنسانية.
فالسؤال في النهاية ليس فقط: هل نتبرع بأعضائنا بعد الرحيل؟ بل: أي أثر نريد أن نتركه عندما تنتهي رحلتنا؟

