إيران التي لا نراها: من يعيش خارج المذهب الشيعي؟
إيران التي لا نراها: من يعيش خارج المذهب الشيعي؟
ملخص :
في جنوب شرقي إيران، قُتل اليوم الاثنين 14 من سبتمبر، رجل دين سني بارز، هو مولوي يوسف كوركيج، برصاص مسلحين مجهولين. وكالة «إرنا» الإيرانية الرسمية قالت إنه كان ناشطاً في مواجهة ما وصفته بـ«العناصر المثيرة للانقسام والصهيونية»، فيما لم تعلن أي جهة حتى الآن مسؤوليتها عن مقتله.
حادثة الاغتيال تفتح باباً يتجاوز السؤال عن هوية القاتل: من هم غير الشيعة في إيران؟ وكيف يعيشون داخل دولة ينص دستورها على أن المذهب الجعفري الاثني عشري هو المذهب الرسمي؟
إيران ليست شيعة فقط
تقدّر مصادر دولية أن الشيعة يشكلون نحو 90 إلى 95 في المئة من المسلمين في إيران، بينما تتراوح نسبة السنة بين 5 و10 في المئة. وقد يبدو الرقم صغيراً، لكنه يعني ملايين الإيرانيين.
والسنة ليسوا جماعة واحدة متجانسة. بينهم الأكراد والبلوش والتركمان والعرب، وتتركز تجمعاتهم في مناطق مثل كردستان، وسيستان وبلوشستان، وغلستان، وهرمزغان، وأجزاء من جنوب وغرب البلاد.
وهنا تصبح الجغرافيا جزءاً من القصة.
فسيستان وبلوشستان، حيث يعيش عدد كبير من السنة البلوش، تقع في أقصى جنوب شرق إيران، وهي من أكثر المناطق فقرا وحساسية أمنية في البلاد، وتشهد منذ سنوات توترا بين السلطات ومجموعات معارضة ومسلحة.
لكن ماذا يقول القانون الإيراني؟
الدستور يعلن أن الإسلام والمذهب الجعفري الاثني عشري هما الدين والمذهب الرسميان للدولة. وفي الوقت نفسه، تنص المادة 12 على احترام المذاهب الإسلامية الأخرى، وعلى حرية أتباعها في ممارسة شعائرهم وفق ضوابط محددة.
أما المادة 13 فتذكر ثلاث جماعات دينية غير مسلمة باعتبارها أقليات دينية معترفا بها دستوريا: المسيحيون واليهود والزرادشتيون.
ولذلك فإن المشهد الديني الإيراني يمكن تخيله على شكل طبقات.
في الطبقة الأولى، يقف المذهب الشيعي الاثنا عشري، وهو المذهب الرسمي للدولة.
وفي الطبقة الثانية، يأتي المسلمون من المذاهب الأخرى، وعلى رأسهم السنة، الذين يعترف الدستور بمذهبهم، لكنهم لا يشكلون المذهب الرسمي للدولة.
وفي الطبقة الثالثة، توجد الأقليات الدينية الثلاث المعترف بها دستوريا: المسيحيون واليهود والزرادشتيون.
ولكل من هذه الجماعات مقاعد مخصصة في البرلمان الإيراني - خمسة مقاعد - إجمالا موزعة على مقعدان للأرمن، ومقعد للآشوريين، ومقعد لليهود، ومقعد للزرادشتيين.
لكن خارج هذه الدائرة توجد جماعات وضعها أكثر تعقيدا.
أبرزها البهائيون، الذين يُقدّر عددهم بنحو 300 ألف شخص. البهائية غير معترف بها كأقلية دينية في الدستور، وتقول منظمات حقوقية إن أتباعها يتعرضون للاعتقال والتمييز والقيود على التعليم والعمل وممارسة شعائرهم.
وهناك أيضاً اليارسانيون أو أهل الحق، وهم جماعة دينية ذات جذور إيرانية، ينتشر كثير من أتباعها بين الأكراد، إضافة إلى جماعات صوفية تعرض بعضها لضغوط واعتقالات، فضلا عن الصابئة المندائيين وغيرهم من الجماعات الصغيرة.
أما اليهود الإيرانيون، فقصتهم تحمل مفارقة لافتة.
إيران من أكثر الدول عداء لإسرائيل والصهيونية سياسيا، لكنها في الوقت نفسه تعترف باليهود الإيرانيين كأقلية دينية، ولهم مقعد مخصص في البرلمان.
والزرادشتيون يمثلون مفارقة تاريخية أخرى: ديانة ارتبطت بإيران قبل الإسلام بقرون، وما زالت معترفا بها رسميا ولها تمثيل برلماني.
لكن الأرقام وحدها لا تروي القصة كاملة.
فالسؤال ليس فقط: كم عدد السنة؟ وكم عدد المسيحيين أو البهائيين؟
السؤال الأهم هو: ماذا يحدث عندما تتقاطع الهوية الدينية مع القومية والجغرافيا والفقر والسياسة؟
السني الكردي ليس بالضرورة في الوضع نفسه للسني البلوشي، والبهائي ليس في الوضع نفسه للمسيحي الأرمني، والاعتراف الدستوري لا يعني بالضرورة مساواة كاملة في الحقوق.
لهذا، فإن مقتل مولوي يوسف كوركيج لا يكفي وحده لإثبات أن الحادثة ذات دوافع طائفية. فالقاتل مجهول، ولم تعلن جهة مسؤوليتها حتى الآن. لكنه يذكّرنا بأن إيران ليست كتلة مذهبية واحدة.
إنها دولة تضم ملايين السنة، ومسيحيين ويهودا وزرادشتيين وبهائيين وصوفيين ويارسانيين وصابئة مندائيين، لكل جماعة قصتها وموقعها القانوني والاجتماعي.
وفي بلد يبلغ عدد سكانه نحو 90 مليون نسمة، قد تكون الحكاية الأهم ليست من يمثل الأغلبية؟ بل:
كيف يعيش كل من هم خارج هذه الأغلبية؟

